ليست كل الحفلات الغنائية مجرد موعد فني عابر، فبعضها يتحول إلى رسالة ثقافية كاملة تختبر علاقة بلدٍ ما بذاته، وبصورته التي يريد تقديمها للعالم. وعندما يُفتح المسرح الملكي بالرباط، ذلك الصرح الذي بُني على ضفاف أبي رقراق بين صومعة حسان وضريح محمد الخامس، أمام صوت خليجي بحجم حسين الجسمي، فإن الأمر يتجاوز إعلان سهرة غنائية نحو لحظة رمزية تكشف كيف يعيد المغرب رسم حدوده الثقافية والفنية داخل الفضاء العربي والدولي في آن واحد.
في الثامن عشر من يونيو 2026، لن يكون الجمهور المغربي أمام حفل عادي، بل أمام أول حضور عربي فوق خشبة المسرح الملكي الجديد، بعد أن افتتح الفضاء عروضه العالمية بحفل الفنان الكندي Bryan Adams. وبين الحفلين، تبدو الرسالة واضحة: المغرب لا يريد أن يضع الفن العربي في هامش المشهد الثقافي العالمي، بل يسعى إلى إدماجه داخل نفس الفضاء الذي يستقبل الأسماء الدولية الكبرى، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين “المحلي” و”العالمي” بعيداً عن عقدة التصنيف التقليدي بين فن عالمي وآخر إقليمي.
المسرح الملكي نفسه ليس مجرد بناية ثقافية، بل مشروع يحمل خلفية سياسية وثقافية عميقة. فالفضاء الذي صممته المعمارية الراحلة زها حديد لا يعكس فقط جرأة معمارية حديثة، بل يكشف أيضاً عن الرهان المغربي على تحويل الثقافة إلى جزء من القوة الناعمة للمملكة. فمنذ سنوات، لم يعد الاستثمار في البنية التحتية الثقافية بالمغرب مجرد ترفٍ جمالي، بل أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع تسعى إلى تقديم الرباط كعاصمة ثقافية متوسطية وإفريقية وعربية في الوقت نفسه.
ومن هنا، تكتسب استضافة حسين الجسمي داخل هذا الفضاء معنى خاصاً. فالرجل لا يدخل إلى المغرب كفنان خليجي فقط، بل كاسم استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يبني علاقة عاطفية مع الجمهور المغربي، إلى درجة تحوّل أغانيه إلى جزء من المزاج الموسيقي اليومي داخل شريحة واسعة من المغاربة. لم يعد حضوره مرتبطاً فقط بالجالية الخليجية أو بذوق فني محدد، بل أصبح جزءاً من موجة موسيقية عربية هجينة اختلط فيها الخليجي بالمغربي والمشرقي داخل فضاء رقمي واحد تصنعه منصات التواصل وتطبيقات الموسيقى الحديثة.
وربما لهذا السبب، تبدو أسعار التذاكر، التي تتراوح بين 700 و5000 درهم، مؤشراً آخر على التحول الذي تعرفه صناعة الترفيه بالمغرب. فالحفل هنا لا يُسوَّق فقط كعرض غنائي، بل كتجربة فنية فاخرة مرتبطة بصورة المكان وقيمة الحدث. وهو ما يفتح، في العمق، نقاشاً أوسع حول التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها الطبقة الوسطى والعليا المغربية، وكيف أصبحت الثقافة نفسها جزءاً من اقتصاد الصورة والذوق والتموقع الاجتماعي.
لكن خلف الأضواء، يبرز سؤال آخر أكثر عمقاً: لماذا ينجح فنانون خليجيون مثل حسين الجسمي في بناء هذا الحضور الجماهيري القوي داخل المغرب؟ الجواب لا يرتبط فقط بالأغنية الرومانسية أو بالإنتاج الموسيقي الضخم، بل أيضاً بقدرة هؤلاء الفنانين على فهم المزاج المغربي والانفتاح عليه. حين غنى الجسمي للحاجة الحاجة الحمداوية في الدار البيضاء، لم يكن يؤدي مجرد “كوفر” غنائي، بل كان يرسل إشارة ذكية إلى أن الفنان العربي المعاصر لم يعد ينجح بالصوت وحده، بل بقدرته على بناء جسر وجداني مع هوية الجمهور المحلي.
وفي هذا السياق، تبدو الرباط وكأنها تعيش تحولاً هادئاً في دورها الثقافي. فالعاصمة التي ارتبطت لعقود بصورة المدينة الإدارية والسياسية، تحاول اليوم أن تعيد تقديم نفسها كمدينة للفنون الكبرى، تنافس مدناً عربية ودولية في استقطاب العروض الضخمة والفعاليات العالمية. والمسرح الملكي ليس سوى واجهة لهذا التحول الذي يتجاوز الفن نحو إعادة تشكيل صورة المدينة نفسها.
غير أن كل هذا البريق يطرح أيضاً أسئلة اجتماعية وثقافية لا يمكن تجاهلها. فبين جمهور قادر على دفع آلاف الدراهم لحضور سهرة فنية، وفئات اجتماعية ما تزال تنظر إلى الثقافة باعتبارها رفاهية بعيدة عن متناولها، يظهر التناقض الذي يرافق دائماً مشاريع الحداثة الثقافية الكبرى. هل تنجح هذه الفضاءات فعلاً في دمقرطة الفن وجعله متاحاً للجميع؟ أم أنها تتحول تدريجياً إلى واجهات نخبوية تعكس الفوارق الاجتماعية أكثر مما تعكس الانفتاح الثقافي؟
وربما هنا تكمن المفارقة الأعمق في حفل حسين الجسمي بالرباط. فالأمر لا يتعلق فقط بمغنٍّ خليجي يحيي ليلة رومانسية فوق ضفاف أبي رقراق، بل بلحظة تكشف كيف أصبح الفن مرآة لتحولات المغرب نفسه: بلد يحاول أن يصنع لنفسه مكاناً داخل الخريطة الثقافية العالمية، دون أن يفقد روحه المحلية، ومدينة تسعى إلى التحول من عاصمة للقرار السياسي إلى عاصمة للرمزية الثقافية أيضاً.
وفي النهاية، قد يغادر الجمهور المسرح بعد انتهاء الأغاني، لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً بعد انطفاء الأضواء أكبر بكثير من الحفل نفسه: هل ينجح المغرب فعلاً في بناء مشروع ثقافي يجعل الفن أداةً لصناعة النفوذ والهوية والانفتاح، أم أن هذه اللحظات اللامعة ستظل مجرد مشاهد جميلة داخل واقع عربي ما يزال يبحث عن معنى الثقافة في زمن التحولات الكبرى؟