جائزة الصحافة البرلمانية برسم سنة 2024

0
203

في صيف 2024، شهد مقر مجلس النواب بالرباط حفلاً حمل أكثر من طابعه الاحتفالي العادي ما يُعرف بـ«جائزة الصحافة البرلمانية»، تلك التي أُطلقت قبل أربع سنوات كمبادرة لتكريم الصحافيين المهتمين بالشأن التشريعي والإسهام في نشر الثقافة البرلمانية، لكنها برزت في دورتها الرابعة، التي أقيمت في 17 يوليوز 2024، كحدث يمتد وجوده إلى فضاء أوسع من مجرد التتويج التقليدي.

في القاعة التي عادة ما تستضيف الجلسات الرسمية، احتفت المؤسسة التشريعية بالصحافيين الذين رافقوا عمل البرلمان المغربي، ليس فقط كأخبار تتناقلها الوسائط الإعلامية، بل كأعمال حولت تفاصيل الحياة البرلمانية إلى سرديات قابلة للفهم والتحليل، ومن ثم إلى حوارات عامة. هذا التحوّل في المنظور هو ما جعل الجائزة في نسختها الرابعة تتجاوز كونها مجرد مناسبة سنوية إلى لحظة تقييم لإسهامات إعلامية تهدف إلى تعزيز فهم البرلمان كفضاء مؤسساتي مهم في مسار الديمقراطية المغربية.

وفي توزيع الجوائز، بدا ذلك بوضوح: فالجائزة التقديرية ذهبت مناصفة إلى صحافيين مثل عمر حفيظ وحسن إعراب تقديراً لمسيرتهما وإسهاماتهما في تغطية العمل البرلماني، في حين توزعت بقية الأصناف — المكتوبة، الإلكترونية، البصرية، السمعية، وصورة الصحافة — على أعمال ألقت الضوء على مواضيع مثل التمثيلية النسائية في البرلمان، ودور الدبلوماسية البرلمانية، والتحقيق في تنزيل ميثاق الاستثمار.

النظر إلى هذه اللحظة الاحتفالية الصحافية بعمق، يكشف عن بُعدين متداخلين في المشهد الإعلامي والمؤسساتي: الظاهرة — وهي التقدير الرسمي للصحافة المهنية التي تتعاطى مع الحياة البرلمانية، والمضمَر — وهو السعي إلى تعزيز صلة المؤسسة التشريعية بالرأي العام عبر وساطة إعلامية واعية ومنتجة. فحين يُكرّم البرلمان الإعلام، فهو ليس فقط يشيد بالعمل الصحافي، بل يؤكد على ضرورة وجود صحافة نقدية ومواكبة منهجية للحياة السياسية، قادرة على تعميق فهم المواطنين لدورهم كمراقبين ومشاركين، ولعمل النواب كممثلين للمصالح العامة.

هذه الجائزة، منذ تأسيسها في 2019، كانت دائماً مرتبطة بـ قيمة المشاركة السياسية وتوسيع دائرة المعرفة حول العمل النيابي، لكن في نسختها الرابعة استشرفت الجائزة نفسها، عبر لجنة التحكيم، ضرورة تطويرها لتصبح جائزة للبرلمان بكلتيه، في إشارة واضحة إلى أن التجربة المؤسسية في الإعلام البرلماني لا يمكن أن تكون شأناً أحادياً لمجلس واحد أو جهة واحدة من البرلمان، بل مشروعاً مؤسسياً يتطلب التنسيق بين مجلس النواب ومجلس المستشارين.

في السياق الأوسع، تأتي هذه المبادرة في وقت يشهد فيه المشهد الإعلامي المغربي نقاشات حول الحرية والمسؤولية المهنية، وسط تطورات تشريعية تنتظر أن تعيد رسم شروط مزاولة المهنة وتعديل تنظيم المجلس الوطني للصحافة، ما يشير إلى أن الصحافة البرلمانية ليست منعزلة عن التحديات العامة للقطاع الإعلامي في المغرب.

إذا كان الاحتفاء السنوي بالصحافة البرلمانية يسلّط الضوء على قصص العمل التشريعي والإعلامي، فإن السؤال الأعمق يبقى حول دور هذه الجوائز في تغيير ثقافة التغطية السياسية: هل تساهم في ترسيخ الوعي المؤسسي لدى الجمهور؟ وهل يمكن أن تشكل جسر ثقة بين المواطن والبرلمان عبر قراءة نقدية صادقة للأداء البرلماني؟ الجواب لن يكون في لائحة الفائزين وحدها، بل في استمرار هذه الجوائز كفضاء للحوار المفتوح والبناء بين العمل البرلماني والممارسة الصحافية، وفي قدرتها على أن تلهم الآخرين للارتقاء بجودة الخطاب السياسي والإعلامي على حد سواء.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here