العدول يواجهون وهبي: معركة كسر النفوذ بين القانون والفتوى تهزّ ثقة المغاربة في عدالة الدولة

0
2

في سياقٍ دقيق تتقاطع فيه رهانات إصلاح العدالة مع حدود السلطة التأويلية للدين داخل الدولة، فجّرت الهيئة الوطنية للعدول نقاشاً يتجاوز مطالب مهنية تقنية ليصل إلى عمق العلاقة بين القانون والمرجعية الدينية، وبين الاختصاص المؤسساتي وحدود توظيفه. فالقضية، في ظاهرها، خلافٌ مهني حول مطالب تنظيمية، لكنها في باطنها تعكس توتراً مضمراً حول من يملك الكلمة الفصل في هندسة المهن القانونية: هل هو النص القانوني ومؤسساته، أم التأويل الديني عبر قنواته الرسمية؟

بلاغ الهيئة لم يكن مجرد ردٍّ تقني على تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، بل جاء محمّلاً بإشارات دقيقة تعيد ترتيب النقاش من أساسه. فالعدول، وهم فاعلون في صلب منظومة التوثيق العدلي، شددوا على أن مطالبهم تندرج ضمن إصلاحات تنظيمية ومؤسساتية، لا تستدعي استدعاء المرجعية الدينية، في تلميح واضح إلى ما اعتبروه “توسيعاً غير مبرر” لدائرة الإحالة على المجلس العلمي الأعلى.

هذا الموقف يطرح، في العمق، سؤالاً مركزياً: هل أصبحت الفتوى أداة ضمن أدوات تدبير الشأن المهني؟ أم أنها ما تزال، كما يعرّفها الفقه، رأياً استشارياً غير ملزم يُقصد به الإرشاد لا الإلزام؟ الهيئة تميل بوضوح إلى الخيار الثاني، بل تذهب أبعد من ذلك حين تشكك، بطريقة غير مباشرة، في وجود الفتوى نفسها، مطالبة بنشرها كاملة للرأي العام إن كانت موجودة. هنا يتحول النقاش من مضمون المطالب إلى شفافية القرار العمومي، ومن شرعية الرفض إلى مشروعية تبريره.

في المقابل، يستند موقف وزير العدل إلى منطق مؤسساتي مختلف، مفاده أن كل ما يلامس “الطابع الشرعي” يدخل ضمن اختصاص المجلس العلمي الأعلى، وهو ما يعكس تصوراً حذراً في التعامل مع قضايا قد تُفهم باعتبارها مرتبطة بالأحوال الشخصية أو المرجعية الفقهية. غير أن هذا التبرير، كما تراه الهيئة، يطرح إشكال “الانتقائية”: لماذا تُستدعى المؤسسة الدينية في هذا الملف تحديداً، بينما تُستبعد في ملفات مجتمعية أخرى لا تقل حساسية من حيث القيم والمرجعيات؟

هذا التوتر يكشف عن مفارقة أعمق داخل مسار الإصلاح: فالدولة التي تسعى إلى تحديث منظومة العدالة وتبسيط مساطرها، تجد نفسها في بعض اللحظات أمام إغراء الاستناد إلى الشرعية الدينية كآلية ضبط أو حسم، وهو ما قد يُفهم، من زاوية مهنية، كتعطيل لنقاش قانوني يفترض أن يُدار داخل فضائه الطبيعي: البرلمان، والمؤسسات المهنية، والوزارة الوصية.

أما على مستوى الأثر المباشر على المواطنين، فإن هذا الجدل ليس معزولاً عن حياتهم اليومية كما قد يبدو. فالمطالب التي يطرحها العدول—من قبيل تسهيل إجراءات “شهود اللفيف”، وتمكينهم من آليات مالية لحماية المعاملات، وتحديث الإطار القانوني للمهنة—تمس بشكل مباشر سرعة توثيق العقود، وأمان المعاملات العقارية، وثقة الأفراد في العدالة التوثيقية. وبالتالي، فإن أي تأخير أو غموض في حسم هذا الملف ينعكس عملياً على كلفة الزمن القضائي وعلى درجة الأمان القانوني للمتعاملين.

اللافت أيضاً أن الهيئة لم تكتفِ برفض توظيف الفتوى، بل أعادت تعريف طبيعة مهنتها باعتبارها مهنة قانونية منظمة، خاضعة لوصاية وزارة العدل، وليست مجالاً للتكييف الديني. هذا التحديد ليس بريئاً، بل يندرج ضمن معركة رمزية لإعادة تموقع العدول داخل خريطة المهن القانونية، على قدم المساواة مع باقي الفاعلين، في إطار مبدأ تكافؤ الفرص.

في المحصلة، لا يبدو هذا الجدل مجرد خلاف عابر، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تدبير التوازن بين المرجعيات: بين الدين كإطار قيمي عام، والقانون كأداة تنظيمية ملزمة، وبين المؤسسات الاستشارية والسلطات التنفيذية. وإذا كان الإصلاح يقتضي وضوحاً في الرؤية، فإن ما تطالب به الهيئة—نشر الفتوى إن وجدت، وفتح حوار مؤسساتي شفاف—قد يكون، paradoxalement، المدخل الأنجع لتفادي تحويل نقاش مهني إلى إشكال ثقة أوسع يمس صورة العدالة في أعين المواطنين.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here