حين تفرض الدولة إصلاح العدول بالقانون… والمهنة ترد بالإضراب: صدام يختبر مصداقية العدالة في المغرب

0
3

بين إيقاع التشريع واحتقان الشارع المهني، مضت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان داخل مجلس المستشارين في المصادقة على مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول، في خطوة بدت وكأنها تسابق الزمن أكثر مما تعكس منطق التوافق. تمرير النص بالأغلبية، دون معارضة تُذكر، تزامن مع إضراب مفتوح يخوضه العدول، وهو ما يحوّل الحدث من مجرد إجراء قانوني إلى مؤشر على خلل أعمق في علاقة الدولة بالمهن القانونية.

القرار، في ظاهره، يندرج ضمن مسار إصلاحي يستهدف تحديث منظومة العدالة، لكنه في عمقه يكشف عن مفارقة واضحة: مؤسسات تمضي في إعادة هيكلة المهنة، مقابل فاعلين مهنيين يعتبرون أنفسهم خارج دائرة التشاور الحقيقي. هذه الهوة تطرح سؤالًا مقلقًا حول طبيعة الإصلاحات التي تُبنى دون انخراط فعلي للمعنيين بها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمهنة ذات امتداد ديني وتاريخي كالتوثيق العدلي.

التعديلات التي عرضها وزير العدل عبد اللطيف وهبي تعكس إرادة لإعادة ضبط معايير الولوج والمسؤولية داخل المهنة. فتح الباب أمام قضاة سابقين، وتعديل نطاق مسؤولية العدل، وإدخال تنسيق مؤسساتي في آليات المراقبة، كلها خطوات تُقرأ رسميًا كجزء من تحديث المهنة. غير أن القراءة المهنية لها تسير في اتجاه مغاير، حيث يُنظر إلى هذه التعديلات باعتبارها مدخلًا لإعادة توزيع موازين القوة داخل الحقل، وربما تقليص هامش الاستقلالية الذي ظل يميز هذه المهنة لعقود.

في الجهة المقابلة، لا يبدو الإضراب مجرد رد فعل ظرفي، بل تعبيرًا عن تراكم شعور بالإقصاء. الهيئة الوطنية للعدول، التي اختارت التصعيد بعد سلسلة احتجاجات، تضع الحكومة أمام مسؤولية ما تعتبره تجاهلًا لملاحظات جوهرية. هنا يتحول الصراع من نقاش تقني حول مواد قانونية إلى أزمة ثقة حقيقية، تعكس اختلال قنوات الحوار بين الدولة والهيئات المهنية.

تداعيات هذا التوتر لا تتوقف عند حدود المهنة. تعطيل خدمات التوثيق يضع المواطنين في مواجهة مباشرة مع آثار الصراع، حيث تتعطل مصالحهم اليومية المرتبطة بالعقود والمعاملات. وهو ما يعيد طرح إشكالية الأمن التعاقدي، ويكشف هشاشة التوازن بين استمرارية المرفق القانوني وحق المهنيين في الاحتجاج.

الأعمق من ذلك أن مشروع القانون لا يقتصر على إعادة تنظيم المهنة، بل يعيد تعريف موقعها داخل منظومة العدالة. الانتقال نحو هيئة وطنية ذات طابع مؤسساتي، وتعزيز التكوين، وإقرار تمثيلية أوسع، كلها مؤشرات على توجه نحو مأسسة القطاع. غير أن هذا التحول يظل محاطًا بسؤال مركزي: هل نحن أمام تحديث تشاركي يدمج الفاعلين، أم إعادة هيكلة تُفرض بمنطق فوقي؟

المحصلة أن ما يجري اليوم ليس مجرد تمرير قانون، بل لحظة اختبار حقيقية لنموذج الإصلاح في المغرب. فإما أن يتحول هذا التوتر إلى أرضية لحوار جاد يعيد بناء الثقة، أو أن يستمر كعنوان لصدام مؤجل، قد تكون كلفته أكبر على المهنة وعلى منظومة العدالة ككل.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here