المتقاعدون في المغرب: حين تُساوَم الكرامة… يختلّ العقد الاجتماعي

0
4

في لحظة اجتماعية واقتصادية مشحونة بتراكمات صامتة، يعود ملف المتقاعدين إلى واجهة الاحتجاج، لا بوصفه مطلبًا فئويًا معزولًا، بل كمرآة تعكس اختلالًا أعمق في معادلة العدالة الاجتماعية وتوازن السياسات العمومية. إعلان “الشبكة المغربية لهيئات المتقاعدين” (RéMOR) عن محطة نضالية جديدة ليس مجرد حدث عابر، بل هو امتداد لمسار طويل من التذمر الذي ظل يتراكم في الظل، قبل أن ينفجر مجددًا في الشارع، مطالبًا بزيادة تتراوح بين 2000 و3000 درهم في المعاشات، كحد أدنى لاستعادة الحد الأدنى من الكرامة المعيشية.

هذا التحرك لا يمكن قراءته خارج سياقه العام؛ فالمتقاعد المغربي اليوم يجد نفسه في مواجهة مزدوجة: من جهة، تجميد فعلي للمعاشات دام لأكثر من ربع قرن، ومن جهة أخرى، موجة غلاء متصاعدة تلتهم القدرة الشرائية بشكل متسارع. وبين هذا وذاك، تتآكل قيمة المعاش تدريجيًا، إلى حد فقدانه لوظيفته الأصلية كآلية لضمان الاستقرار بعد سنوات الخدمة. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بالأرقام، بل بتحول بنيوي في معنى التقاعد ذاته، من مرحلة “راحة مستحقة” إلى مرحلة “هشاشة مؤجلة”.

تصريحات الفاعلين داخل هذا الحراك تكشف عن عمق الأزمة أكثر مما تعكسه البيانات الرسمية. حديث حسن موموش عن “التجميد المستمرّ للمعاشات منذ أكثر من 25 سنة” يضعنا أمام سؤال مركزي: كيف يمكن لنظام تقاعدي أن يحافظ على توازنه الاجتماعي إذا كان منفصلاً عن التحولات الاقتصادية الواقعية؟ بل أكثر من ذلك، كيف يمكن تفسير غياب هذا الملف عن طاولة الحوار الاجتماعي، رغم ما يحمله من أبعاد إنسانية وسياسية حساسة؟

اللافت في هذا السياق أن مطلب الزيادة في المعاشات، رغم بساطته الظاهرية، يحمل في طياته دلالات أعمق. فهو ليس مجرد تعويض مالي، بل اعتراف ضمني بفشل السياسات السابقة في مواكبة التحولات الاقتصادية. حين يطالب المتقاعدون بـ3000 درهم، فهم في الواقع يطالبون بإعادة تقييم موقعهم داخل العقد الاجتماعي، الذي يبدو أنه أعاد ترتيب أولوياته على حساب الفئات الأكثر هشاشة.

غير أن البعد الأخطر في هذا الملف يكمن في ما يسميه المحتجون “تسليع صناديق التقاعد”. هنا ينتقل النقاش من مستوى المطالب الاجتماعية إلى مستوى الخيارات الاقتصادية الكبرى، حيث تُطرح تساؤلات حول كيفية تدبير مدخرات المتقاعدين، ومدى استفادتهم الفعلية من عائداتها. هل تحولت هذه الصناديق إلى أدوات استثمار تخدم منطق السوق أكثر مما تخدم أصحابها؟ وهل هناك شفافية كافية في تدبيرها تضمن الثقة في المستقبل؟

في العمق، يطرح هذا الحراك أيضًا إشكالية العلاقة بين الدولة وذاكرتها الاجتماعية. المتقاعدون، كما يعبّر عن ذلك أحد الفاعلين، لا يحتجون فقط من أجل المال، بل من أجل الاعتراف. شعورهم بأنهم “يستجدون” حقوقًا بعد سنوات من الخدمة يكشف عن خلل رمزي في كيفية تقدير الدولة لمواطنيها بعد نهاية مسارهم المهني. وهذا البعد الرمزي لا يقل خطورة عن البعد المادي، لأنه يمس الثقة في المؤسسات.

ولا يمكن إغفال التأثير غير المباشر لهذه الأزمة على مهن أخرى، من بينها مهنة العدول، التي ترتبط بشكل وثيق بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية للأفراد. فكل تدهور في الوضع المعيشي لفئة المتقاعدين ينعكس على طبيعة المعاملات، من الإرث إلى التبرعات والوصايا، ويؤثر على حجم الثقة في العقود والتصرفات القانونية. العدول، بحكم موقعهم، يجدون أنفسهم في تماس مباشر مع هذه التحولات، ما يفرض عليهم قراءة أعمق للسياق الاجتماعي الذي يؤطر عملهم، وليس فقط النصوص القانونية التي ينفذونها.

في النهاية، يبدو أن عودة المتقاعدين إلى الاحتجاج ليست سوى مؤشر على أزمة أوسع، تتجاوز مطلب الزيادة في المعاشات إلى سؤال أكبر: أي نموذج اجتماعي يريده المغرب لمستقبله؟ نموذج يراكم الثروات دون إعادة توزيع عادلة، أم نموذج يعيد الاعتبار لفكرة التضامن كركيزة للاستقرار؟ الجواب عن هذا السؤال لن يتحدد في الشارع فقط، بل في قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين على تحويل هذا الاحتجاج من لحظة ضغط إلى فرصة لإعادة التفكير في جوهر السياسات الاجتماعية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here