إسبانيا بين العواصف الدولية وصعود سانشيز: المغرب وأمريكا خارج معادلة الحسم الانتخابي

0
3

تُعيد الساحة السياسية الإسبانية رسم ملامحها بهدوء ظاهري يخفي وراءه تحولات أعمق في المزاج الانتخابي، حيث تُظهر أحدث مؤشرات نوايا التصويت، الصادرة عن المركز الإسباني للأبحاث الاجتماعية (CIS)، أن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ما يزال يحتفظ بموقع متقدم، متجاوزًا منافسيه من اليمين بفارق مريح، في سياق إقليمي ودولي متوتر، تتقاطع فيه ملفات المغرب، والولايات المتحدة، والشرق الأوسط، مع تفاصيل السياسة الداخلية الإسبانية.

اللافت في هذا المشهد ليس فقط تصدر الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني لنوايا التصويت بنسبة تفوق 36 في المائة، بل قدرة هذا التقدم على الصمود أمام موجات سياسية وإعلامية مضادة، قادتها قوى اليمين واليمين المتطرف، حاولت تحويل ملفات خارجية حساسة إلى أدوات ضغط انتخابي، خصوصًا تلك المرتبطة بالعلاقة مع المغرب، وبمواقف الحكومة الإسبانية من قضايا الأمن الأطلسي، والتموضع الدبلوماسي في ملفات دولية معقدة.

رغم ذلك، تُظهر الأرقام أن هذه الملفات لم تنجح في إحداث اهتزاز جوهري في شعبية سانشيز، الذي استفاد، وفق القراءة السياسية للمعطيات، من توازن دقيق بين الاستقرار الداخلي وإدارة الأزمات الخارجية. فملف العلاقات مع الولايات المتحدة، الذي تأثر بتباين المواقف بشأن استخدام القواعد العسكرية الإسبانية في سياق التوترات الدولية، لم يتحول إلى عبء انتخابي مباشر، كما كانت تأمل بعض دوائر المعارضة.

في المقابل، بقيت العلاقة مع المغرب حاضرة بقوة في الخطاب السياسي الإسباني الداخلي، خاصة بعد التحول الذي عرفه الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية، واعتماد مقترح الحكم الذاتي كمرجعية للحل، وهو موقف أثار جدلًا داخل المعارضة، لكنه لم ينعكس سلبًا على صورة الحكومة لدى الناخب الإسباني، وفق نفس استطلاعات الرأي.

هذه المعطيات لا تنفصل عن واقع أوسع يهم الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا، التي تُعد اليوم واحدة من أهم الجاليات الأجنبية من حيث الحجم والتأثير الاجتماعي والاقتصادي. فهذه الجالية تجد نفسها في قلب التوازنات الدقيقة بين مدريد والرباط، خاصة في ملفات الهجرة، وسوق العمل، والاندماج الاجتماعي، وهي ملفات غالبًا ما تُستعمل سياسيًا داخل الحملات الانتخابية، لكنها عمليًا تُدار بمنطق براغماتي يتجاوز الخطاب الحزبي.

نتائج الباروميتر الأخير تشير إلى أن الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني سجل ارتفاعًا إلى حوالي 36,4 في المائة، بزيادة لافتة مقارنة بالشهر السابق، فيما حافظ الحزب الشعبي على موقعه عند حدود 23,6 في المائة، دون تحقيق اختراق يسمح له بتقليص الفجوة. أما حزب فوكس اليميني المتطرف، فقد واصل تراجعه إلى حدود 14,7 في المائة، في وقت يعاني فيه تحالف “سومار” الشريك الحكومي من تراجع واضح في حضوره الانتخابي.

هذا التوازن الرقمي يعكس، في العمق، تحولًا في أولويات الناخب الإسباني، الذي يبدو أكثر انشغالًا بملفات الاقتصاد، وتكلفة المعيشة، والاستقرار المؤسساتي، مقارنة بالخطابات المرتبطة بالسياسة الخارجية أو الهوياتية. وهو ما يفسر جزئيًا استمرار تفوق الائتلاف الحكومي، حتى في ظل ضغوط قضائية وسياسية تطال بعض الشخصيات السابقة داخل الحزب الاشتراكي، أو في ملفات الفساد التي تحاول المعارضة توظيفها انتخابيًا.

في الخلفية، تلعب الأزمة الدولية في الشرق الأوسط دورًا إضافيًا في إعادة تشكيل المزاج السياسي، حيث تُقاس مواقف الحكومة الإسبانية أيضًا من زاوية تموضعها داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، وهو ما يضع سانشيز في موقع دقيق بين متطلبات الداخل الإسباني وضغوط الخارج.

على مستوى التقييم الفردي للقادة، ما يزال سانشيز يتصدر نسب الثقة مقارنة بمنافسيه، رغم أن هذه الثقة تبقى نسبية وموزعة بشكل متذبذب، بين من يمنحه دعمًا قويًا، ومن يعبر عن شكوك أو رفض لخياراته السياسية. في المقابل، يواجه زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونيث فيخو تحديًا واضحًا في توسيع قاعدة الثقة، بينما يستمر سانتياغو أباسكال، زعيم فوكس، في تسجيل أضعف مستويات التقييم الشعبي.

بالنسبة للمغاربة المقيمين في إسبانيا، فإن هذا الاستقرار النسبي في المشهد السياسي الإسباني يحمل دلالات مباشرة، خصوصًا في ما يتعلق بسياسات الهجرة، وتسوية الوضعيات الإدارية، وتدبير المعابر الحدودية في سبتة ومليلية، إضافة إلى التعاون الأمني والاقتصادي بين الرباط ومدريد. فكل تحول سياسي في إسبانيا ينعكس بشكل أو بآخر على هذا الامتداد البشري والاجتماعي الذي أصبح جزءًا أساسيًا من النسيج الإسباني المعاصر.

وهكذا، لا تبدو نتائج استطلاعات الرأي مجرد أرقام تقنية، بل تعبيرًا عن توازنات أعمق بين الداخل والخارج، بين السياسة والاقتصاد، وبين الخطاب الانتخابي وواقع الحكم. وفي قلب هذا المشهد، يستمر سانشيز في تثبيت موقعه كفاعل سياسي مركزي، قادر على تحويل الأزمات إلى فرص سياسية، ولو مؤقتًا، داخل نظام ديمقراطي يزداد تعقيدًا وتشابكًا مع محيطه الإقليمي والدولي.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here