إدريس الهلالي والمواي طاي… حين تُحسم المعارك في مكاتب القرار الرياضي لا داخل الحلبات

0
3

ففي كوالالمبور، لم يكن مشهد افتتاح بطولة العالم للمواي طاي مجرد احتفال رياضي يعلن انطلاق منافسات جديدة، بل بدا أقرب إلى لحظة مفصلية في مسار رياضة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تنتقل من فضاء إقليمي ذي جذور آسيوية إلى مشروع رياضي عالمي يبحث عن مكان دائم داخل المؤسسات الرياضية الدولية. وبين الأضواء والعروض الفنية التي صاحبت الافتتاح، برزت رسالة أكثر عمقًا من مجرد التنافس على الألقاب، مفادها أن المواي طاي دخلت مرحلة جديدة عنوانها الاعتراف المؤسسي والتوسع نحو الأجيال الصاعدة.

حضور كبار مسؤولي الاتحاد الدولي للمواي طاي، يتقدمهم ستيفان فوكس وإدريس الهلالي، لم يكن مجرد حضور بروتوكولي تفرضه طبيعة المناسبة، بل عكس حجم العمل الذي راكمته هذه الرياضة خلال العقد الأخير من أجل ترسيخ وجودها داخل المنظومة الرياضية العالمية. فالمنافسة اليوم لم تعد تدور فقط داخل الحلبات، بل أصبحت تدور أيضًا داخل المؤسسات الدولية التي تحدد أي الرياضات تستحق أن تكون جزءًا من البرامج العالمية متعددة الرياضات وأيها يبقى على الهامش.

لكن الحدث الأبرز في هذا الافتتاح تمثل في حضور وفد رسمي رفيع المستوى عن الاتحاد الدولي للألعاب المدرسية، بقيادة الأمينة العامة حسناء الأيوبي ونائب الرئيس أنطونيو هوري. فهذا الحضور يتجاوز رمزية المشاركة في حفل افتتاح إلى كونه مؤشراً على تحول استراتيجي تعيشه رياضة المواي طاي. فمع اقتراب موعد الألعاب العالمية المدرسية المقررة في صربيا سنة 2027، تستعد هذه الرياضة لدخول فضاء جديد لم يكن متاحًا لها من قبل، هو فضاء الرياضة المدرسية العالمية.

وهنا تكمن أهمية الحدث الحقيقية. فعندما تدخل أي رياضة إلى المنظومة المدرسية الدولية فإنها لا تضيف بطولة جديدة إلى سجلها فحسب، بل تؤسس لقاعدة بشرية مستقبلية واسعة. المدارس ليست مجرد أماكن للتعلم، بل مصانع للأبطال ومختبرات لتشكيل الأجيال الرياضية القادمة. ولذلك فإن إدراج المواي طاي ضمن الألعاب العالمية المدرسية يعني عمليًا أن آلاف التلاميذ عبر القارات سيكتشفون هذه الرياضة في سن مبكرة، وأن اتحادات وطنية جديدة ستجد نفسها مطالبة بتطوير برامج خاصة بالشباب والناشئين.

ومن زاوية أخرى، يكشف هذا التطور عن التحولات التي يشهدها مفهوم الرياضة المدرسية نفسه. فبعد عقود طويلة ظلت خلالها المنافسات المدرسية الدولية مرتبطة برياضات تقليدية معروفة، بدأت المؤسسات الرياضية العالمية تتجه نحو الانفتاح على رياضات جديدة أكثر تنوعًا، بما يعكس التغيرات الثقافية والاجتماعية التي يعرفها العالم. وهذا التحول يطرح أسئلة مهمة حول مستقبل الرياضة المدرسية ودورها في استيعاب ثقافات رياضية مختلفة بدل الاقتصار على نماذج كلاسيكية ظلت مهيمنة لعقود.

كما أن نجاح ماليزيا في احتضان هذا الحدث يعكس بدوره صعود آسيا كأحد أهم مراكز القرار والتنظيم الرياضي في العالم. فالقارة التي أصبحت تستضيف أكبر التظاهرات الدولية لم تعد مجرد سوق رياضية ضخمة، بل تحولت إلى فاعل مؤثر في رسم مستقبل العديد من الرياضات. ومن هذا المنظور، تبدو كوالالمبور اليوم واحدة من المحطات التي يجري فيها رسم جزء من مستقبل المواي طاي العالمي.

اقتصاديًا، لا يمكن فصل هذا التوسع عن صناعة رياضية تتنامى باستمرار. فكل خطوة نحو الاعتراف الدولي تعني استثمارات جديدة، وبرامج تكوين إضافية، وفرص عمل للمدربين والحكام والمنظمين، فضلاً عن فتح أسواق جديدة للمعدات الرياضية والرعاية التجارية. ولهذا فإن إدراج المواي طاي ضمن الألعاب المدرسية ليس مجرد قرار رياضي، بل هو أيضًا استثمار طويل الأمد في اقتصاد رياضي عالمي آخذ في الاتساع.

وفي العمق، تبدو الصورة أكبر من بطولة عالمية وأكبر من حفل افتتاح ناجح. إنها قصة رياضة استطاعت أن تنتقل من الدفاع عن حقها في الاعتراف إلى المشاركة في رسم ملامح المستقبل الرياضي للشباب عبر العالم. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه مشهد كوالالمبور ليس من سيفوز بالميداليات هذه السنة، بل إلى أي مدى ستنجح المواي طاي في تحويل هذا الاعتراف المؤسسي الجديد إلى مشروع عالمي مستدام يجعلها جزءًا من الثقافة الرياضية للأجيال القادمة، لا مجرد رياضة قتالية تحقق حضورًا مؤقتًا في الروزنامة الدولية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here