«أخنوش يكتشف غرينيتش في آخر الطريق… لماذا انتظرت الحكومة خمس سنوات لتسمع ما كان يقوله المغاربة منذ البداية؟»

0
3

عندما أشارت الساعة إلى الخطأ… هل اعترفت الحكومة أخيراً بما كان يعرفه المغاربة منذ سنوات؟

في السياسة كما في الحياة، لا تكمن أهمية القرارات في مضمونها فقط، بل في اللحظة التي تُتخذ فيها. لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول إعلان الحكومة العودة إلى توقيت غرينيتش إلى مناسبة لإعادة فتح ملف ظل يؤرق المغاربة لسنوات طويلة. فالقضية لم تعد مجرد ستين دقيقة تُضاف أو تُحذف من عقارب الساعة، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة القرار العمومي على الإنصات للمجتمع والتفاعل مع نبضه في الوقت المناسب.

وفي خضم هذا النقاش، اختار محمد أوزين أن يقرأ القرار من زاوية مختلفة. فهو لم يهاجم العودة إلى غرينيتش، بل رحب بها من حيث المبدأ، معتبراً أن الوصول المتأخر يبقى أفضل من عدم الوصول. غير أن ما بين سطور تدوينته يبرز سؤال أكبر من القرار نفسه: لماذا احتاجت الحكومة إلى كل هذا الوقت كي تصل إلى قناعة وصل إليها المواطنون منذ سنوات؟

لقد عاش المغاربة منذ فرض الساعة الإضافية بشكل شبه دائم تجربة يومية معقدة تجاوزت بكثير النقاشات التقنية حول الطاقة والاقتصاد. ملايين التلاميذ كانوا يغادرون منازلهم في ساعات الفجر المظلمة، وآلاف العاملات في الضيعات الفلاحية والمصانع بدأن يومهن قبل شروق الشمس، فيما تحولت معاناة الاستيقاظ المبكر إلى جزء من الحياة اليومية لأسر كاملة. ولم تكن هذه الوقائع مجرد انطباعات شخصية أو حالات معزولة، بل تحولت إلى نقاش وطني مستمر، وإلى مطلب اجتماعي ظل حاضراً بقوة في الفضاء العمومي.

وحين يشير أوزين إلى أن القرار جاء في “الوقت الميت”، فإنه لا يتحدث فقط عن توقيت زمني، بل عن لحظة سياسية. فالحكومة التي تتحدث اليوم عن تقييم آثار المنظومة الزمنية هي نفسها التي كانت تدبر الشأن العام طوال السنوات الماضية دون أن تقدم مراجعة حقيقية لهذا الملف. ولذلك يجد الرأي العام نفسه أمام مفارقة لافتة: إذا كانت الدراسات الجديدة أثبتت محدودية المكاسب المتوقعة من الساعة الإضافية، فهل كانت الدراسات السابقة خاطئة؟ أم أن صوت المواطنين احتاج سنوات طويلة حتى يُسمع داخل دوائر القرار؟

الأكثر دلالة في تدوينة أوزين ليس انتقاده للحكومة، بل حديثه عن “الاعتراف بعدم جدوى القرار”. فالدول لا تتقدم لأنها لا تخطئ، بل لأنها تمتلك الشجاعة لمراجعة اختياراتها عندما تثبت التجربة محدوديتها. غير أن المعضلة تبدأ عندما يأتي الاعتراف بعد سنوات من الكلفة الاجتماعية والنفسية التي تحملها المواطنون. فالتراجع عن قرار ما قد يكون فضيلة سياسية، لكن تأخر هذا التراجع يطرح بدوره أسئلة حول فعالية آليات التقييم والإنصات داخل المؤسسات.

اقتصادياً، بُني الدفاع عن الساعة الإضافية على فرضية تحقيق مكاسب مرتبطة بالطاقة والتنسيق مع الشركاء الاقتصاديين. لكن التجربة أظهرت أن الأرقام وحدها لا تكفي لحسم نجاح السياسات العمومية. فهناك دائماً عناصر يصعب قياسها بالجداول والإحصائيات، مثل الراحة النفسية للأسر، وجودة الحياة اليومية، والتوازن البيولوجي للأطفال، والإحساس العام بالانسجام مع الزمن الطبيعي. وعندما تصبح الكلفة الاجتماعية أعلى من المكاسب المنتظرة، يتحول النقاش من سؤال “كم ربحنا؟” إلى سؤال “ماذا خسرنا؟”.

لذلك يبدو أن العودة إلى غرينيتش لا تمثل نهاية نقاش الساعة القانونية بقدر ما تمثل بداية نقاش أوسع حول فلسفة اتخاذ القرار في المغرب. فالقضية الحقيقية ليست في عقارب الساعة، بل في عقارب السياسة نفسها. هل تتحرك استجابةً لحاجات المجتمع عندما تظهر، أم عندما تصبح كلفة تجاهلها أكبر من كلفة الاستجابة لها؟

قد يفرح المغاربة بعودة توقيت غرينيتش، وقد تختفي تدريجياً صور الأطفال المتجهين إلى المدارس في ظلام الصباح، وقد تتحول أهزوجة “أوا بدل تاساعت” إلى ذكرى من مرحلة سياسية مضت. لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً في الذاكرة الجماعية هو سؤال آخر: إذا كانت الحكومة تعترف اليوم ضمنياً بأن التجربة لم تحقق كل ما وُعد به المواطنون، فكم من القرارات الأخرى تحتاج هي أيضاً إلى شجاعة الاعتراف قبل أن تستهلك سنوات إضافية من عمر المغاربة؟

لعل أهم درس في هذه القصة كلها أن الاعتراف بخطأ قرار ما ليس نهاية الأزمة، بل بداية تصحيح طريقة صناعة القرار نفسه. فالأمم لا تُقاس بعدد القرارات التي تتخذها، وإنما بقدرتها على مراجعتها في الوقت المناسب، قبل أن يصبح الزمن نفسه شاهداً على أن المجتمع كان يرى ما لم ترد السلطة أن تراه.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here