هولندا ليست الخصم الحقيقي… الاختبار الأكبر هو: هل أصبح المغرب منتخبًا يُخشاه الكبار؟

0
2
صورة: أ.ف.ب

هل تكفي موهبة “أسود الأطلس” لإسقاط الطواحين؟ أم أن مباراة هولندا ستكون الاختبار الحقيقي لمشروع محمد وهبي؟

لم يعد المنتخب المغربي يقيس نجاحه بعدد المباريات التي يفوز بها، ولا بعدد النقاط التي يجمعها في دور المجموعات، بل أصبح يُقاس بقدرته على تحويل الطموح إلى ثقافة تنافسية دائمة. ومن هذا المنطلق، تبدو مواجهة المنتخب الهولندي في دور الـ32 من كأس العالم 2026 أكثر من مجرد محطة إقصائية؛ إنها اختبار حقيقي لمدى نضج مشروع المنتخب المغربي، ولقدرته على مواجهة مدرسة كروية عريقة اعتادت أن تجعل من الاستحواذ والضغط العالي عنواناً لهويتها داخل المستطيل الأخضر.

لقد دخل المغرب هذه المباراة وهو يحمل رصيداً معنوياً مهماً بعد عبوره دور المجموعات بسبع نقاط، وهو رصيد يعكس الاستقرار أكثر مما يعكس التفوق الرقمي فقط. فالنتائج الإيجابية منحت المجموعة ثقة إضافية، لكنها في الوقت نفسه رفعت سقف التوقعات لدى الجمهور المغربي، الذي لم يعد يكتفي بمشاهدة منتخب يقاوم الكبار، بل ينتظر منتخباً ينافسهم على قدم المساواة، ويؤمن بأن الوصول إلى الأدوار المتقدمة ليس مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من البناء.

ورغم هذا الزخم، فإن المباراة تحمل تحديات لا تظهر في لوحة النتائج وحدها. فالانتقال من الولايات المتحدة إلى المكسيك فرض على المنتخب ظروفاً لوجستية مختلفة، سواء من حيث السفر أو التأقلم مع البيئة الجديدة، وهي تفاصيل قد تبدو هامشية للجمهور، لكنها كثيراً ما تصنع الفارق في البطولات الكبرى، حيث يصبح عامل الاستشفاء البدني والجاهزية الذهنية جزءاً من المعركة التكتيكية.

وفي المقابل، بدا واضحاً أن المدرب محمد وهبي تعامل مع مرحلة المجموعات بعقلية المدرب الذي يفكر فيما بعد الدور الأول، وليس فقط في ضمان التأهل. فمن خلال تدوير بعض العناصر وإراحة لاعبين أساسيين، منح الفرصة للبدلاء لإثبات جاهزيتهم، ووسّع هامش الخيارات أمام جهازه الفني. صحيح أن بعض فترات اللعب شهدت ارتباكاً، إلا أن المكسب الحقيقي تمثل في الحفاظ على التوازن داخل المجموعة، وإبقاء أغلب اللاعبين في نسق المنافسة، وهو عنصر بالغ الأهمية كلما تقدمت البطولة.

لكن السؤال الحقيقي يبدأ من هوية الخصم. فالمنتخب الهولندي ليس فريقاً ينتظر أخطاء منافسه بقدر ما يسعى إلى فرض شخصيته منذ الدقيقة الأولى. إنه منتخب يؤمن بالاستحواذ، وبالضغط المتقدم، وبإبقاء المنافس تحت ضغط دائم. وهذه الفلسفة تمنحه أفضلية هجومية واضحة، لأنها تتيح له صناعة عدد كبير من الفرص وإجبار خصومه على التراجع، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطرة دائمة، إذ إن اندفاع الخطوط إلى الأمام يترك مساحات خلف الدفاع يمكن استغلالها إذا امتلك المنافس السرعة والدقة في التحول.

وهنا تحديداً قد تكمن نقطة التحول في المباراة. فالمغرب لا يواجه فقط فريقاً قوياً، بل يواجه فلسفة لعب كاملة. وإذا حاول مجاراة هولندا في الاستحواذ فقط، فقد يدخل في معركة تخدم منافسه أكثر مما تخدمه. أما إذا نجح في تحقيق التوازن بين الاحتفاظ بالكرة والانتقال السريع نحو الهجوم، فإنه سيكون قادراً على ضرب المساحات التي يتركها الدفاع الهولندي أثناء تقدمه.

وتزداد أهمية هذه الجزئية بالنظر إلى طبيعة العناصر التي يمتلكها المنتخب المغربي. فالسرعة، والقدرة على تغيير الإيقاع، والمرونة في التحول من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، كلها أسلحة قد تتحول إلى عامل حاسم إذا استُثمرت في التوقيت المناسب. لذلك لن يكون المطلوب من “أسود الأطلس” الركض خلف الكرة طوال المباراة، وإنما اختيار اللحظة المناسبة للانقضاض، وتحويل كل استرجاع ناجح للكرة إلى فرصة حقيقية لتهديد المرمى.

كما أن المعركة لن تُحسم في الثلث الهجومي فقط، بل ستبدأ من وسط الميدان، حيث سيكون الصراع على المساحات والإيقاع أكثر حسماً من الصراع على نسبة الاستحواذ. فالمنتخب الذي ينجح في التحكم في توقيت المباراة، ويمنع منافسه من فرض نسقه المعتاد، سيكون الأقرب إلى فرض منطقه، حتى وإن لم يكن الأكثر استحواذاً على الكرة.

ولا يمكن إغفال الجانب الدفاعي، لأن مواجهة منتخب يملك جودة هجومية كبيرة تفرض انضباطاً عالياً في الخط الخلفي. وسيكون الانسجام بين قلبي الدفاع، والقدرة على التعامل مع الكرات العرضية والتحركات بين الخطوط، من أهم مفاتيح الحد من خطورة الهجوم الهولندي. وفي المقابل، فإن أي اندفاع غير محسوب قد يمنح المنافس المساحات التي يبحث عنها باستمرار.

غير أن قوة المغرب في هذه البطولة لا تتوقف عند الجانب التكتيكي. فهناك عنصر آخر أصبح يرافق المنتخب أينما حل، ويتمثل في الحاضنة الجماهيرية المغربية. فقد أثبتت الجماهير خلال السنوات الأخيرة أنها لم تعد مجرد مشجع في المدرجات، بل أصبحت جزءاً من شخصية المنتخب، تمنحه شعوراً بأن عامل الأرض لم يعد حكراً على أصحاب الضيافة. وهذا الدعم يمنح اللاعبين دفعة نفسية إضافية، خصوصاً في المباريات التي تحتاج إلى الصبر والثقة أكثر من الحماس.

لكن في المقابل، يحمل هذا الدعم مسؤولية مضاعفة. فكلما ارتفع سقف الطموحات، ارتفع حجم الضغوط أيضاً. وأصبح على المنتخب أن يوازن بين الرغبة في كتابة إنجاز جديد، وبين المحافظة على الهدوء اللازم لاتخاذ القرارات الصحيحة داخل الملعب. فالمنتخبات الكبرى لا تنتصر لأنها تلعب بحماس أكبر، وإنما لأنها تعرف متى تهاجم، ومتى تنتظر، ومتى تدير تفاصيل المباراة بأقل قدر من الأخطاء.

ولعل ما يميز المنتخب المغربي اليوم أنه لم يعد يدخل مثل هذه المواجهات بعقدة التفوق التاريخي للمنافسين. فقد تغيرت العقلية، وأصبح اللاعب المغربي أكثر اقتناعاً بأن الفوارق تُصنع داخل الملعب، لا في صفحات التاريخ. وهذه النقلة الذهنية قد تكون أهم إنجاز تحقق للكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة، لأنها حوّلت الإيمان بالإمكانات إلى سلوك تنافسي داخل المستطيل الأخضر.

ولهذا، فإن مباراة هولندا ليست مجرد تسعين دقيقة لتحديد المتأهل إلى الدور المقبل، بل هي امتحان لقدرة مشروع محمد وهبي على التأكيد بأن ما تحقق ليس لحظة استثنائية، وإنما مسار يتقدم بثبات. فإذا نجح المغرب في تجاوز هذا الاختبار، فلن يكون قد هزم منتخباً أوروبياً قوياً فحسب، بل سيكون قد وجه رسالة بأن الكرة المغربية دخلت مرحلة جديدة، عنوانها المنافسة المستمرة لا المفاجآت العابرة.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: هل يستطيع المغرب إقصاء هولندا؟ بل سؤال آخر أكثر عمقاً: هل أصبح المنتخب المغربي اليوم من المنتخبات التي تجبر خصومها على إعادة حساباتهم قبل كل مواجهة؟ عندما تصبح الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب، فإن المشروع الكروي المغربي يكون قد تجاوز حدود النتائج الآنية، ودخل فعلاً زمن الكبار.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here