حين تتحول الأوسمة إلى رسائل استراتيجية… ماذا تقول مدريد للمغرب عبر بوابة التعاون الأمني؟
لم يكن استقبال المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، لوفد رفيع من الحرس المدني الإسباني مجرد لقاء بروتوكولي ينتهي بالتقاط الصور وتبادل عبارات المجاملة، كما أن مراسم توشيح عدد من المسؤولين الأمنيين المغاربة بأوسمة إسبانية رفيعة لا يمكن قراءتها باعتبارها تكريماً شخصياً أو مجاملة دبلوماسية عابرة. ففي العلاقات الأمنية بين الدول، نادراً ما تكون الأوسمة مجرد معادن تعلق على الصدور، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى لغة سياسية وأمنية تحمل رسائل أعمق من الكلمات.
فالحدث يأتي في ظرف إقليمي شديد التعقيد، حيث يشهد غرب البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء تصاعداً غير مسبوق في التهديدات الإرهابية، وتنامياً لشبكات الجريمة المنظمة، وارتفاعاً في الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، إضافة إلى التحولات الجيوسياسية التي أعادت رسم أولويات الأمن الأوروبي. وفي مثل هذا السياق، يصبح منح أوسمة رسمية من دولة أوروبية إلى مسؤولين أمنيين مغاربة إعلاناً عملياً عن مستوى الثقة التي أصبحت تحظى بها المؤسسات الأمنية المغربية لدى أحد أهم شركائها الأوروبيين، وليس مجرد مناسبة احتفالية.
ومن يراقب تطور العلاقات المغربية الإسبانية خلال العقد الأخير سيلاحظ أن التعاون الأمني سبق في كثير من الأحيان التقارب السياسي، بل لعب دور “صمام الأمان” الذي حافظ على استمرارية العلاقات حتى خلال فترات التوتر الدبلوماسي. فقد أثبتت التجربة أن الملفات الأمنية الكبرى لا تنتظر تسوية الخلافات السياسية، لأن الإرهاب لا يعترف بالحدود، وشبكات الاتجار بالبشر لا تتوقف عند الأزمات الثنائية، والجريمة المنظمة تستفيد دائماً من أي فراغ في التنسيق بين الدول.
لهذا السبب لم يكن مستغرباً أن تصف مدريد المغرب بأنه “شريك استراتيجي لا محيد عنه” في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. فهذه العبارة ليست مجرد توصيف سياسي، وإنما تعكس واقعاً عملياتياً راكمته سنوات من تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الميداني والعمليات المشتركة التي مكنت من إحباط تهديدات عابرة للحدود قبل وصولها إلى الأراضي الأوروبية أو المغربية.
غير أن القراءة الأكثر عمقاً تبدأ من سؤال مختلف: لماذا أصبحت المؤسسات الأمنية المغربية تحظى بهذا القدر من الاعتراف الدولي؟
الجواب لا يرتبط فقط بكفاءة الأجهزة أو بالنجاحات العملياتية، وإنما أيضاً بالتحول الذي عرفته العقيدة الأمنية المغربية خلال السنوات الأخيرة. فقد انتقل المغرب تدريجياً من موقع الدولة التي تؤمن حدودها الوطنية فقط إلى موقع الدولة التي تنتج الأمن الإقليمي، وتشارك في حماية الفضاء الأورومتوسطي بأكمله.
وهذا التحول يحمل دلالات استراتيجية كبيرة. فحين تعتبر دولة عضو في الاتحاد الأوروبي أن أمنها الداخلي مرتبط مباشرة بالتنسيق مع الأجهزة المغربية، فإن المغرب لم يعد مجرد جار جنوبي للقارة الأوروبية، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الجماعي في غرب المتوسط.
وتبرز أهمية هذا التحول أكثر إذا ما استحضرنا الطبيعة المتغيرة للتهديدات الأمنية. فالإرهاب اليوم لم يعد يعتمد فقط على الخلايا التقليدية، بل أصبح يستخدم الفضاء الرقمي، وشبكات التمويل المعقدة، وحركة الهجرة، والجرائم الإلكترونية، والاتجار الدولي بالمخدرات والأسلحة، وهي تهديدات تتجاوز قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للتعاون المغربي الإسباني لا تكمن في عدد الاجتماعات أو الاتفاقيات، وإنما في مستوى الثقة العملياتية بين المؤسستين الأمنيتين. فالثقة هي العملة الأكثر ندرة في عالم الاستخبارات، لأنها تعني استعداد كل طرف لتقاسم معلومات قد تؤثر مباشرة في أمنه القومي، وهو مستوى لا يتحقق إلا بعد سنوات طويلة من الاختبارات الميدانية.
كما أن التوشيح الإسباني يحمل بعداً آخر أقل تداولاً في النقاش العمومي، وهو الاعتراف بالدبلوماسية الأمنية المغربية.
ففي العقود الماضية كانت القوة الناعمة ترتبط غالباً بالثقافة والاقتصاد والاستثمار، أما اليوم فقد أصبحت الكفاءة الأمنية نفسها أحد أهم عناصر القوة الناعمة للدول. وعندما تتحول مؤسسة أمنية إلى شريك مطلوب لدى القوى الدولية، فإنها تمنح الدولة رصيداً سياسياً يتجاوز المجال الأمني نحو ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري والدبلوماسي.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا التطور يعكس تغيراً في النظرة الأوروبية إلى الضفة الجنوبية للمتوسط. فبعد سنوات كانت دول الجنوب تُقدَّم باعتبارها مصدراً للمخاطر الأمنية، أصبح المغرب يُقدَّم كشريك في إنتاج الأمن، وهو تحول مهم في ميزان العلاقات بين الطرفين.
ولا يمكن فصل هذه الدينامية عن التحولات الكبرى التي يعرفها الساحل الإفريقي، حيث تزايدت هشاشة عدد من الدول، واتسعت رقعة التنظيمات المتطرفة، وتراجعت فعالية بعض الآليات الأمنية التقليدية. وفي هذا السياق، ازدادت أهمية المغرب باعتباره بلداً يجمع بين الاستقرار المؤسساتي، والقدرات الاستخباراتية، والموقع الجغرافي الذي يربط إفريقيا بأوروبا.
كما أن استمرار تكريم مسؤولين أمنيين مغاربة بأرفع الأوسمة الإسبانية، بعد وسام الصليب الأكبر الذي مُنح لعبد اللطيف حموشي في نهاية سنة 2025، يعكس أن الأمر لم يعد مرتبطاً بحدث استثنائي، بل أصبح جزءاً من مسار مؤسساتي متواصل يقوم على تقييم عملي لنتائج التعاون وليس على اعتبارات سياسية ظرفية.
لكن رغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يمكن للمغرب تحويل هذا الرصيد الأمني إلى مكاسب استراتيجية أشمل؟
فالتجارب الدولية تثبت أن النجاح الأمني يصبح أكثر تأثيراً عندما يواكبه توسع في الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، وتبادل الخبرات في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وحماية البنى التحتية الحيوية، والتكوين المتخصص، بما يجعل الأمن مدخلاً لبناء منظومة تعاون متكاملة بين الدول.
وفي المقابل، يفرض هذا الاعتراف الدولي مسؤوليات أكبر على المؤسسات الأمنية المغربية، لأن ارتفاع مستوى الثقة يعني أيضاً ارتفاع سقف التوقعات. فكل نجاح يرفع معيار النجاح التالي، وكل شراكة استراتيجية تستدعي تطويراً مستمراً للأداء والقدرات والتكوين ومواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة المخاطر.
ويبقى الحدث في جوهره أكبر من مجرد تبادل للأوسمة، لأنه يكشف عن تحول أعمق في موقع المغرب داخل الخريطة الأمنية الإقليمية والدولية. فالدول لا تُقاس اليوم فقط بما تمتلكه من قوة عسكرية أو اقتصادية، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج الثقة، وبمدى اعتماد شركائها عليها في حماية الأمن المشترك.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز هذا الحدث نفسه: إذا كانت الأوسمة تعكس اعترافاً بما أنجزه المغرب في المجال الأمني، فهل تتحول هذه المكانة المتقدمة مستقبلاً إلى رافعة أوسع تعيد رسم موقع المملكة داخل منظومة الأمن الأورومتوسطي، بحيث يصبح المغرب ليس فقط شريكاً في مواجهة التهديدات، بل أحد صناع هندسة الأمن الإقليمي في العقود القادمة؟