استقالات الرباط الجماعية.. عندما تحوّلت التزكيات إلى سلاح لإعادة رسم خريطة النفوذ داخل «الأحرار»

0
1

في السياسة، لا تبدأ الزلازل يوم سقوط الجدران، بل يوم تتشقق الأساسات بصمت. وقد يبدو بيان اعتزال جماعي صادر عن منتخبين محليين مجرد خبر حزبي عابر، لكنه في مدينة مثل الرباط، وفي مقاطعة السويسي تحديدا، يكتسب دلالات تتجاوز حدود التنظيم الحزبي لتلامس طبيعة التحولات التي تعرفها النخب السياسية المغربية قبل أشهر من الدخول الفعلي في مناخ الانتخابات التشريعية المقبلة.

فالحدث لا يتعلق باستقالة عضو أو عضوين من حزب الأغلبية الحكومية، بل باعتزال جماعي يضم أسماء وازنة في المشهد المحلي، من بينها عمدة مدينة الرباط فتيحة المودني، ورئيس مجلس مقاطعة السويسي عادل الأتراسي، إلى جانب عدد من نواب الرئيس ورؤساء اللجان وأعضاء المكتب المسير. وهي أسماء لم تكن مجرد مناضلين عاديين داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بل كانت تشكل إحدى الركائز الانتخابية والتنظيمية التي ساهمت في ترسيخ حضور الحزب داخل واحدة من أهم المقاطعات بالعاصمة.

اللافت في البيان أن أصحابه اختاروا لغة هادئة وموزونة. لم يتحدثوا عن صراع أو خلاف أو ظلم أو إقصاء، بل اكتفوا بالإشارة إلى «اعتبارات موضوعية» وإلى أن الظرفية الحالية لم تعد تسمح لهم بالاستمرار في العمل السياسي والانتخابي بالصيغة نفسها. غير أن السياسة لا تُقرأ دائما من خلال ما يقال، بل كثيرا ما تُفهم من خلال ما يتم تجنب قوله.

ففي العادة، عندما تقرر مجموعة من المنتخبين الذين راكموا سنوات من العمل الحزبي والانتخابي الانسحاب دفعة واحدة، فإن الأمر لا يكون مرتبطا بالإرهاق السياسي أو بالرغبة الشخصية في الاعتزال فقط، بل يعكس غالبا وجود تحول عميق في موازين القوة داخل التنظيم المعني.

ومن هنا يصبح من الصعب فصل هذه الاستقالات الجماعية عن التطورات الأخيرة التي عرفها حزب التجمع الوطني للأحرار في الرباط، وخاصة الحسم المبكر في ملف التزكيات الانتخابية لدائرة شالة. فاختيار الحزب لعلاء البحراوي مرشحا للاستحقاقات التشريعية المقبلة لم يكن مجرد قرار تنظيمي عادي، بل حمل في طياته رسائل سياسية متعددة الاتجاهات.

في الأحزاب السياسية الحديثة، تمثل التزكية الانتخابية أكثر من مجرد ترخيص بالترشح. إنها إعلان رسمي عن هوية النخب التي يريد الحزب الاستثمار فيها مستقبلا، وعن الأشخاص الذين يراهن عليهم لقيادة المرحلة المقبلة. ولذلك فإن كل قرار بالتزكية هو في الوقت نفسه قرار بإعادة توزيع النفوذ داخل الحزب.

اختيار علاء البحراوي أغلق باب التأويل حول أسماء أخرى كانت تطمح إلى الحصول على التزكية، كما أنه جاء في سياق إعادة ترتيب مراكز القوة داخل التنظيم التجمعي بالعاصمة. ومن هنا يمكن فهم حالة الارتباك التي تحدثت عنها مصادر متطابقة داخل الحزب، خاصة لدى بعض القيادات والمنتخبين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم جزءا من المعادلة الانتخابية المقبلة.

الأمر لا يتعلق فقط بصراع أشخاص، بل بصراع أجيال ورؤى ومواقع داخل التنظيم. فكل حزب سياسي يعيش دوريا ما يشبه عملية تجديد للنخب، حيث تصعد أسماء جديدة وتتراجع أخرى، غير أن الإشكال يبدأ عندما يشعر جزء من القيادات المحلية بأن مساهمته السابقة لم تعد تجد ترجمتها في هندسة القرار الحزبي الجديد.

وتبدو الرباط اليوم نموذجا مصغرا لما تعيشه أحزاب كثيرة في المغرب مع اقتراب الانتخابات. فمرحلة تدبير الشأن المحلي تختلف عن مرحلة التحضير للاستحقاقات التشريعية. خلال سنوات التسيير يتم التركيز على العمل الميداني والتدبير اليومي للمرافق والخدمات، أما عندما تقترب الانتخابات فإن منطق الحسابات الانتخابية يصبح أكثر حضورا من منطق التدبير.

وهنا يطرح السؤال الأهم: هل نحن أمام اعتزال سياسي حقيقي أم أمام شكل من أشكال الاحتجاج السياسي الصامت؟

التجربة المغربية تقدم نماذج عديدة لمنتخبين أعلنوا انسحابهم من أحزابهم أو تجميد نشاطهم السياسي قبل أن يعودوا لاحقا عبر تنظيمات أخرى أو من خلال تحالفات جديدة. لذلك يصعب الجزم بأن ما وقع في السويسي هو نهاية المسار السياسي لهؤلاء المنتخبين بقدر ما قد يكون تعبيرا عن رفض لمسار تنظيمي معين داخل الحزب.

والأكثر أهمية أن هذه التطورات تكشف جانبا من أزمة أعمق تعيشها الحياة الحزبية المغربية. فالأحزاب غالبا ما تنجح في استقطاب الكفاءات والمنتخبين خلال فترات الصعود الانتخابي، لكنها تواجه صعوبات أكبر عندما يتعلق الأمر بإدارة التوازنات الداخلية وتدبير طموحات القيادات المحلية والجهوية.

كما أن هذه الاستقالات الجماعية تطرح سؤالا آخر يتعلق بمفهوم التمثيلية السياسية. فالمنتخبون المستقيلون أكدوا أنهم سيواصلون خدمة الساكنة والدفاع عن مصالحها إلى نهاية الولاية الانتدابية الحالية. وهذا المعطى مهم لأنه يعكس تمييزا بين الانتماء الحزبي من جهة، والمسؤولية التمثيلية تجاه المواطنين من جهة أخرى.

وبالنسبة لساكنة السويسي والرباط عموما، فإن ما يهم في النهاية ليس طبيعة الصراع الداخلي داخل الحزب، بل تأثير هذه التحولات على تدبير الشأن المحلي وعلى المشاريع والخدمات المنتظرة. فالمواطن لا يقيس نجاح التجربة السياسية بعدد التزكيات أو التحالفات، وإنما بمدى انعكاسها على جودة حياته اليومية.

لكن القراءة الأعمق للحدث تقود إلى ما هو أبعد من الرباط وحزب التجمع الوطني للأحرار. فنحن أمام مؤشر جديد على أن مرحلة ما قبل انتخابات 2026 بدأت فعليا، وأن معركة إعادة تشكيل النخب السياسية انطلقت مبكرا داخل الأحزاب الكبرى. وما يظهر اليوم على شكل استقالات أو تزكيات أو إعادة هيكلة تنظيمية قد يكون مجرد الفصل الأول من عملية أوسع لإعادة رسم الخريطة السياسية في العاصمة وفي المغرب ككل.

ويبقى السؤال الذي يتجاوز حدود هذا الحدث: هل أصبحت الأحزاب السياسية فضاءات لصناعة النخب وتجديدها بشكل ديمقراطي، أم أنها ما تزال ساحات لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة كلما اقترب موعد الانتخابات؟ لأن الجواب عن هذا السؤال لا يحدد فقط مصير منتخبين اعتزلوا العمل الحزبي، بل يحدد أيضا طبيعة الثقة التي سيمنحها المواطن المغربي للسياسة نفسها في السنوات المقبلة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here