الجالية المغربية: ثروة اقتصادية بلا سلطة سياسية… على وقع بيان أخنوش يعاد طرح سؤال المواطنة عبر الحدود

0
1

لم تعد العلاقة بين مغاربة العالم والدولة المغربية تُختزل في التحويلات المالية أو المناسبات الموسمية، بل تحولت إلى ملف استراتيجي يعكس توازناً دقيقاً بين الاقتصاد والسياسة والتمثيلية. فكل نقاش حول الجالية اليوم لم يعد اقتصادياً صرفاً، بل أصبح سؤالاً أعمق يتعلق بموقع هذه الكتلة البشرية الممتدة خارج الحدود داخل معادلة القرار الوطني.

ومع تصاعد الحديث الرسمي عن دور مغاربة العالم كرافعة للاستثمار والتنمية، كما يؤكد ذلك الخطاب الحكومي، يتجدد النقاش حول الفجوة بين الثقل الاقتصادي الكبير لهذه الجالية وبين محدودية حضورها السياسي والمؤسساتي داخل بنية التمثيل الانتخابي. هنا لا يتعلق الأمر فقط بحجم المساهمة المالية، بل بطريقة تحويل هذا الامتداد العابر للحدود إلى قوة مشاركة فعلية داخل هندسة القرار العمومي.

الخطاب الرسمي، كما عبّر عنه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، يضع مغاربة العالم ضمن رؤية استراتيجية تعتبرهم شريكاً في التنمية، لا مجرد مصدر للتحويلات. هذا التحول في اللغة السياسية يعكس إدراكاً تدريجياً بأن الاقتصاد الوطني لم يعد يُبنى فقط داخل الحدود، بل أيضاً عبر شبكات الهجرة والاستثمار والارتباطات العابرة للدول. غير أن هذا الاعتراف الرمزي لا يوازيه، في المقابل، تطور مماثل في آليات التمثيل السياسي.

فعلى المستوى المؤسساتي، تظل مشاركة الجالية في العملية الانتخابية محكومة بإكراهات تنظيمية وهيكلية تجعل حضورها السياسي أقل وزناً من حضورها الاقتصادي. فالتصويت من الخارج، رغم وجوده، لا يترجم إلى تأثير انتخابي حاسم، كما أن الترشح في الدوائر الداخلية يبقى مرتبطاً بشروط محلية تجعل الارتباط بالمجال الجغرافي داخل المغرب شرطاً مركزياً في العملية السياسية. وهكذا يتشكل نوع من “الانفصال الوظيفي” بين الاقتصاد والسياسة: الجالية فاعل اقتصادي قوي، لكنها فاعل سياسي محدود التأثير.

هذا الوضع لا يمكن فهمه فقط من زاوية قانونية، بل أيضاً من زاوية بنيوية مرتبطة بطبيعة النظام الحزبي نفسه. فالأحزاب السياسية داخل المغرب لم تنجح، إلى حدود اليوم، في بناء امتدادات تنظيمية قوية داخل بلدان الإقامة، كما أن تمثيل مغاربة العالم داخل الهياكل الحزبية يظل محدوداً وموسمياً. وبهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بإقصاء مباشر بقدر ما يتعلق بضعف في إنتاج قنوات سياسية قادرة على استيعاب هذا الامتداد الخارجي.

في المقابل، تتعامل الدولة مع الجالية ضمن منطق مزدوج: من جهة، الاعتراف بها كقوة اقتصادية واستثمارية أساسية، ومن جهة أخرى الحفاظ على توازنات التمثيل الداخلي الذي يقوم على قاعدة الناخبين المقيمين داخل التراب الوطني. هذا التوازن يعكس حساسية سياسية مرتبطة بإعادة توزيع القوة الانتخابية، خاصة في سياق يتسم بتغيرات ديمغرافية واجتماعية متسارعة.

اقتصادياً، لم يعد مغاربة العالم مجرد مصدر للتحويلات العائلية، بل أصبحوا جزءاً من النقاش حول الاستثمار المنتج. فالتوجهات الرسمية اليوم تسعى إلى الانتقال من تحويلات استهلاكية إلى استثمارات مهيكلة، قادرة على خلق فرص الشغل وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. وهذا ما ينسجم مع الرؤية العامة التي تعتبر أن المغرب يتجه نحو نموذج اقتصادي منفتح، يعتمد على الصناعة، الطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي، في إطار تعزيز موقعه كقطب إقليمي.

غير أن هذا التحول الاقتصادي يطرح سؤالاً سياسياً موازياً: هل يمكن الاستمرار في توسيع دور الجالية اقتصادياً دون إعادة التفكير في شكل تمثيلها السياسي؟ فكلما تعمق الاندماج الاقتصادي، كلما برزت الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم المواطنة السياسية خارج الحدود، ليس فقط كحق في التصويت، بل كحق في التأثير والمشاركة في صناعة القرار.

وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: جالية تمتلك ثقلاً اقتصادياً متنامياً، وشبكات دولية واسعة، وقدرة على التأثير في الاستثمار والتحويلات، لكنها ما تزال خارج مركز القرار السياسي المباشر. هذه المفارقة لا تعكس خللاً بقدر ما تعكس نموذجاً قائماً على فصل وظيفي بين الداخل والخارج، بين الاقتصاد والسياسة، بين الاندماج الرمزي والاندماج المؤسساتي.

في النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي مرتبطاً فقط بمدى مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات، بل بمدى استعداد النموذج السياسي نفسه لإعادة تعريف مفهوم التمثيل في عصر العولمة والهجرة. فهل يمكن الاستمرار في اعتبار المواطنة مرتبطة بالمكان فقط، في حين أن الاقتصاد والهوية والقرار أصبحت كلها عابرة للحدود؟

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here