في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة، يعود سؤال النائب البرلماني محمد أوزين ليضع ملف الطاقة في قلب النقاش العمومي، لا باعتباره قضية تقنية محضة، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية توازنها الاجتماعي وضمان أمنها الاستراتيجي. فالسؤال، في ظاهره، استفسار مؤسساتي موجه إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، لكنه في عمقه يعكس قلقا مجتمعيا متناميا من اختلالات بنيوية في سوق المحروقات، ومن فجوة آخذة في الاتساع بين تقلبات السوق الدولية وقدرة المواطن المغربي على التحمل.
ينطلق هذا الطرح من مرجعية سيادية واضحة، تستحضر التوجيهات الملكية التي دعا إليها الملك محمد السادس بشأن إرساء منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي، كآلية لضمان الاستقرار في زمن الأزمات المركبة. غير أن السؤال البرلماني يعيد مساءلة مدى ترجمة هذه التوجيهات على أرض الواقع، في ظل مؤشرات توحي بأن السوق لا يزال يشتغل بمنطق ظرفي، تحكمه توازنات الفاعلين أكثر مما تؤطره رؤية استراتيجية متماسكة.
في قلب هذا النقاش، تبرز مفارقة لافتة: سرعة انتقال الزيادات العالمية إلى السوق الوطنية مقابل بطء، بل شبه جمود، في عكس الانخفاضات. هذه “الازدواجية” التي يثيرها النائب ليست مجرد ملاحظة ظرفية، بل تعكس خللا في آليات الضبط والتقنين، وتطرح تساؤلات حول مدى فعالية الإطار القانوني، وعلى رأسه القانون رقم 09-71 المتعلق بواجبات التخزين. فهل يتعلق الأمر بخلل في التطبيق، أم بثغرات في النص نفسه، أم بتوازن قوى يميل لصالح الفاعلين الاقتصاديين على حساب المستهلك؟
الأبعاد المضمرة لهذا السؤال تتجاوز مسألة الأسعار نحو إشكالية أعمق: من يتحكم فعليا في سوق الطاقة بالمغرب؟ فاستمرار الغموض حول الحجم الحقيقي للمخزون الاستراتيجي، وتضارب المعطيات بشأنه، يفتح الباب أمام فرضية غياب شفافية كافية، وهو ما يقوض الثقة في قدرة المؤسسات على التدخل لحماية السوق عند الأزمات. هنا، لا يصبح المخزون مجرد رقم تقني، بل أداة سيادية يفترض أن تلعب دور “الصمام” الذي يخفف الصدمات، لا أن يتحول إلى مبرر لتأجيل انخفاض الأسعار.
كما يعيد السؤال إلى الواجهة ملف مصفاة سامير، باعتبارها الحلقة الغائبة في منظومة الأمن الطاقي. فتعطل هذه المنشأة لا يُقرأ فقط كإشكال صناعي، بل كعامل بنيوي يحد من قدرة المغرب على التحكم في سلاسل التوريد والتكرير، ويجعله أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الدولية وشروط الفاعلين الخارجيين.
ومن زاوية أخرى، يسلط السؤال الضوء على البعد الاجتماعي للأزمة، حيث تتحول أسعار المحروقات إلى عامل ضغط مباشر على القدرة الشرائية، ورافعة غير مباشرة لارتفاع أسعار باقي السلع والخدمات. هنا، يصبح النقاش حول الطاقة نقاشا حول العدالة الاقتصادية: هل يتم توزيع كلفة الأزمات بشكل عادل بين الفاعلين والمستهلكين، أم أن الكفة تميل بشكل ممنهج نحو حماية هوامش الربح؟
في المحصلة، لا يطلب السؤال البرلماني مجرد معطيات رقمية أو توضيحات تقنية، بل يدفع نحو إعادة طرح سؤال الحكامة في قطاع حيوي: كيف يمكن بناء توازن دقيق بين منطق السوق ومتطلبات السيادة، بين حرية الأسعار وواجب الحماية الاجتماعية، وبين الربح المشروع والعدالة الاقتصادية؟ إنه سؤال يختبر، في العمق، قدرة النموذج الطاقي المغربي على الصمود في عالم يتسم بعدم اليقين، وعلى إعادة تعريف أولوياته بما يضع المواطن في صلب المعادلة، لا على هامشها.