جمعيات حماية المستهلك تدق ناقوس الإنذار: هل تُستَخدم الأزمات الدولية لتبرير ارتفاع أسعار أضاحي العيد في المغرب؟

0
1

مع اقتراب موسم عيد الأضحى، تعود إلى الواجهة في المغرب واحدة من أكثر القضايا حساسية اجتماعيًا واقتصاديًا: أسعار الأضاحي. غير أن الجدل هذه السنة لا يتوقف عند مستوى الأسعار فقط، بل يمتد إلى طبيعة الخطاب الذي يفسّر ارتفاعها. ففي الوقت الذي بدأت فيه بعض التفسيرات تربط الغلاء المحتمل بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أو بتقلبات الأسواق الدولية للأعلاف، خرجت جمعيات حماية المستهلك لتحذر من خطورة هذا الخطاب، معتبرة أنه قد يتحول إلى آلية تمهيد نفسي للرأي العام لتقبل زيادات غير مبررة في الأسعار.

بين الرواية الجيوسياسية والواقع الاقتصادي

تشير هذه الجمعيات إلى أن ربط أسعار الأضاحي مباشرة بالتوترات الدولية لا يستند، في نظرها، إلى مؤشرات اقتصادية واضحة أو معطيات دقيقة حول سلاسل التوريد. فجزء مهم من الأعلاف التي تعتمد عليها تربية الماشية في المغرب يأتي من أسواق عالمية متعددة، كثير منها بعيد جغرافيًا عن بؤر التوتر الحالية، ما يجعل التأثير المباشر لهذه الأزمات على الأسعار محل تساؤل.

ومن هنا يطرح فاعلو المجتمع المدني سؤالًا جوهريًا: هل يجري فعلاً استيراد خطاب الأزمة الدولية إلى السوق المحلية كوسيلة لتبرير زيادات استباقية في الأسعار؟ أم أن المسألة تتعلق بعوامل داخلية أكثر تعقيدًا ترتبط ببنية قطاع تربية الماشية وآليات التسويق؟

أزمة هيكلية في قطاع الماشية

الواقع أن قطاع تربية الماشية في المغرب يعيش منذ سنوات تحولات عميقة. فالمعطيات الرسمية تشير إلى تراجع كبير في أعداد القطيع الوطني نتيجة توالي مواسم الجفاف وتدهور المراعي الطبيعية، حيث انخفضت أعداد الماشية بنحو 38% منذ 2016 وفق تصريحات حكومية حديثة.

هذا التراجع لا يعني فقط نقص العرض في السوق، بل يكشف عن أزمة هيكلية أعمق تطال نموذج الإنتاج نفسه. فمع تقلص المراعي، اضطر المربون إلى الاعتماد على الأعلاف الصناعية طوال العام تقريبًا بدل بضعة أشهر فقط، ما ضاعف تكاليف التربية بشكل كبير. بعض التقديرات تشير إلى أن كلفة تغذية الرأس الواحد من الماشية قد تصل إلى حوالي 3500 درهم سنويًا في سنوات الجفاف.

ومع ارتفاع هذه التكاليف وتقلص هامش الربح، بدأ عدد من المربين الصغار والمتوسطين في مغادرة النشاط تدريجيًا، ما أدى إلى تركّز أكبر للسوق في يد عدد محدود من الفاعلين الكبار.

دور الوسطاء والمضاربة الموسمية

لكن الجمعيات الاستهلاكية ترى أن الأزمة لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل الإنتاج. فهناك عنصر آخر يلعب دورًا حاسمًا في تحديد الأسعار: نظام الوساطة التجارية داخل أسواق الماشية.

ففي العديد من الأسواق، يتدخل الوسطاء بين المربين والمستهلكين، حيث يشترون الأضاحي مبكرًا بأسعار منخفضة ثم يعيدون بيعها خلال فترة العيد بأسعار أعلى، مستفيدين من الارتفاع الحاد في الطلب الموسمي. ويؤكد متابعون لقطاع اللحوم أن هذه الوساطة قد تضخم الأسعار بشكل ملحوظ في بعض الحالات.

وبين العرض المحدود والطلب المرتفع، تتحول أسواق الأضاحي في كثير من الأحيان إلى فضاء مفتوح للمضاربة، خصوصًا في ظل ما يعتبره بعض الفاعلين ضعفًا نسبيًا في آليات التتبع والمراقبة.

تدخل الدولة… ومحاولات ضبط السوق

أمام هذه التحديات، لجأت السلطات في السنوات الأخيرة إلى سلسلة من الإجراءات لتخفيف الضغط على السوق، من بينها إعفاء واردات الماشية واللحوم الحمراء من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى إطلاق برامج لدعم الأعلاف ومساعدة المربين. كما تم اللجوء إلى استيراد آلاف رؤوس الأغنام من عدة دول لتغطية الطلب المحلي خلال المواسم الحساسة مثل عيد الأضحى.

غير أن هذه التدخلات، رغم أهميتها، لا تبدو كافية في نظر العديد من الفاعلين، الذين يرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص العرض، بل كذلك بطريقة تنظيم السوق وسلاسل التوزيع.

معركة الشفافية

من هنا، تدعو جمعيات حماية المستهلك إلى فتح نقاش أوسع حول شفافية قطاع الأضاحي، بدءًا من نشر المعطيات المتعلقة بحجم القطيع الوطني وتكاليف الإنتاج، وصولًا إلى تتبع مسارات التسويق داخل الأسواق المحلية.

فالرهان، في نظر هذه الجمعيات، لا يتعلق فقط بضبط الأسعار في موسم ديني حساس، بل أيضًا ببناء ثقة أكبر بين المستهلكين والفاعلين في القطاع. لأن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المغاربة كل عام مع اقتراب العيد ليس فقط: كم سيبلغ ثمن الأضحية؟
بل أيضًا: من يحدد هذا الثمن فعلاً؟

وفي هذا التقاطع بين الاقتصاد والمجتمع والتقاليد، يبدو أن ملف أسعار الأضاحي لم يعد مجرد قضية موسمية، بل أصبح مرآة تعكس التحديات البنيوية التي تواجه الأمن الغذائي والتنظيم الاقتصادي في المغرب.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here