إيران بعد خامنئي: صعود الابن… وبداية مرحلة أكثر اشتعالاً في الشرق الأوسط

0
4

في لحظة تبدو أقرب إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للشرق الأوسط، أعلنت إيران اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي قُتل في ضربة عسكرية أمريكية-إسرائيلية أواخر فبراير 2026. هذا الانتقال في القيادة لا يمثل مجرد تبدل في قمة هرم السلطة في طهران، بل يفتح مرحلة جديدة تتقاطع فيها معادلات الحرب، والشرعية السياسية، ومستقبل النظام الإيراني نفسه. فاختيار الابن في ظل هذه الظروف المتفجرة يبدو، في قراءة كثير من المراقبين، رسالة سياسية بقدر ما هو قرار مؤسساتي.

جاء القرار عبر مجلس خبراء القيادة، المؤسسة الدستورية المخولة اختيار المرشد الأعلى، بعد اجتماع استثنائي هدفه تفادي أي فراغ في السلطة في لحظة حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وبحصوله على أغلبية أصوات المجلس، أصبح مجتبى خامنئي ثالث من يتولى هذا المنصب منذ قيام الجمهورية الإسلامية عقب الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، التي أسست لنظام “ولاية الفقيه” بوصفه مركز السلطة الدينية والسياسية في البلاد.

لكن ما يمنح هذا الحدث بعداً استثنائياً ليس فقط توقيته الحربي، بل طبيعته أيضاً. فهذه هي المرة الأولى التي تنتقل فيها قيادة الجمهورية الإسلامية عملياً من الأب إلى الابن، في نظام قام أساساً على رفض فكرة الوراثة السياسية التي كانت سمة الأنظمة الملكية التي أطاحت بها الثورة. لذلك يرى كثير من المحللين أن اختيار مجتبى يعكس تحوّلاً تدريجياً داخل بنية السلطة الإيرانية، حيث أصبح توازن القوة الحقيقي يميل أكثر إلى شبكات النفوذ داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي كان من أوائل المؤسسات التي أعلنت مبايعته.

ورغم أن المرشد الجديد لم يشغل مناصب حكومية بارزة، فإن حضوره داخل دوائر القرار في طهران كان واسعاً منذ سنوات طويلة. فقد عمل من داخل مكتب والده على إدارة ملفات سياسية وأمنية حساسة، وأصبح حلقة وصل بين القيادة الدينية والقيادات العسكرية في الحرس الثوري وقوات الباسيج. ويذهب بعض الباحثين إلى أن تأثيره غير المعلن في السياسات الإقليمية الإيرانية امتد إلى ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما جعله يوصف داخل الأوساط السياسية بأنه “القوة التي تعمل من خلف الستار”.

اختيار مجتبى خامنئي في هذا التوقيت يرسل أيضاً رسالة واضحة إلى الخارج. ففي خضم الضربات العسكرية والتصعيد الإقليمي، أرادت طهران أن تؤكد أن النظام لم يدخل مرحلة الارتباك أو الانقسام بعد مقتل زعيمه، بل اختار الاستمرارية والتشدد. ولذلك يرى مراقبون أن القرار يعكس انتصار التيار المحافظ المتشدد داخل النظام، وهو تيار يعتقد أن المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ليست مجرد خيار سياسي، بل جزء من الهوية الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية.

هذه القراءة تفسر أيضاً ردود الفعل الدولية السريعة. فقد انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القرار، معتبراً أن تعيين مجتبى لن يقود إلى إنهاء الصراع. في المقابل، صدرت تهديدات من مسؤولين إسرائيليين باغتياله، في مؤشر على أن الصراع لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية، بل أصبح يشمل أيضاً حرباً مفتوحة على مستوى القيادة السياسية نفسها.

داخلياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فبينما يرى مؤيدو النظام في اختيار مجتبى تعبيراً عن الصمود والاستمرارية في مواجهة الضغوط الخارجية، يخشى معارضون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تثبيت نظام أكثر انغلاقاً وأشد اعتماداً على القبضة الأمنية. ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لا تزال تمسك بمفاصل القوة، ما يجعل أي تحرك احتجاجي واسع في ظل الحرب أمراً بالغ الصعوبة.

في النهاية، لا يمكن قراءة صعود مجتبى خامنئي بوصفه مجرد حدث داخلي إيراني. إنه حلقة جديدة في معادلة إقليمية معقدة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. فبينما يرى البعض في هذا التعيين بداية مرحلة أكثر تشدداً في السياسة الإيرانية، يعتقد آخرون أنه محاولة لضمان استمرارية النظام في لحظة تهديد وجودي. وبين هذين التفسيرين، تبدو الحقيقة الأرجح أن طهران اختارت طريق التصعيد، لا التراجع، وأن الشرق الأوسط يقف أمام فصل جديد من الصراع لم تتضح نهاياته بعد.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here