الصحراء المغربية من الإستفتاء الشامل إلى الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

0
31
“”حسن مزوزي محامي بهيئة القنيطرة “”

منذ ما يقارب نصف قرن من الجدل والمراوحة، يبدو أن ملف الصحراء الغربية دخل مرحلة جديدة من التعاطي الأممي، عنوانها الواقعية السياسية ونفاد صبر المنتظم الدولي , فالقرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن الداعم صراحةً لمقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، لم يكن مجرّد تمديد روتيني لبعثةالمينورسو، بل إعلان ضمني عن إنتقال المنظمة الأممية من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “فرض مسار للحل”.
وهذا التحول لا يمكن فهمه إلا في ضوء السياق الدولي المتوتر، حيث أصبحت الأمم المتحدة مطالبة بحسم الملفات المزمنة التي تستنزف طاقتها ومصداقيتها دون نتيجة ملموسة.

فمنذ ثمانينيات القرن الماضي ، ظلت قرارات مجلس الأمن تُكرر مصطلحات من قبيل “تقرير المصير” و“الإستفتاء”، دون أن تتقدم خطوة نحو التنفيذ.إلا أن القرار الأخير الذي اعتبر المقترح المغربي للحكم الذاتي جديًا وواقعيًا وذا مصداقية، يعكس تحوّلًا واضحًا في فلسفة التعاطي الأممي مع الملف . فلم يعد يرى المجلس في الإستفتاء حلًا عمليًا، بل خيارًا غير قابل للتنفيذ بعد فشل الأمم المتحدة في ضبط اللوائح الإنتخابية ومعايير الهوية منذ عقود.إنها لحظة الانتقال من لغة التهدئة إلى لغة الحسم و الواقعية السياسية. فلم يكن مفاجئًا أن يتبنى المجلس مقاربة أكثر حزمًا، تُقدّم الواقعية على المثالية، والاستقرار على الشعارات بعد أن نفذ صبر المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة أمام طول أمد النزاع الذي لم يفض إلى حل عملي , بإعتبار أن بعثة المينورسو التي أنشئت سنة 1991 من أجل التحضير للإستفتاء، تحوّلت إلى واحدة من أقدم البعثات الأممية التي لم تُحقق مهامها الجوهرية.كما أن استمرار الوضع القائم أصبح يشكل عبئًا على الأمم المتحدة ماليًا وسياسيًا، ويُعقّد ملفات أخرى في الساحل والصحراء من قبيل الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة .إن الطرح الحالي إلى جانب عدالته هو حصيلة توازنات عالمية دفع بالمقترح المغربي إلى الصدارة ، و وضع على عاتق الجميع مسؤولية تحويله إلى واقع عملي .

لقد تميز قرار مجلس الأمن الأخير بتوافق غير مسبوق بين القوى الغربية الكبرى على دعم المقاربة المغربية بما فيها امتناع روسيا والصين فقط عن التصويت دون اعتراض صريح . أما الجزائر التي طالما اعتبرت الملف قضية “تصفية استعمار”، فكان من الطبيعي أن تجد نفسها في عزلة سياسية و دبلوماسية متزايدة في ظل عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي وتزايد عدد الدول التي تدعم صراحةً المقترح المغربي و بعد أن تحوّل النقاش الدولي من صراع حول السيادة إلى نقاش حول شكل الحكم الذاتي، أي من نزاع حدودي إلى نزاع حول صيغة تدبير ذاتي داخل السيادة المغربية , و هو في حد ذاته انتصار دبلوماسي واضح للمغرب.

إن موقف مجلس الأمن لا يمكن فصله عن التحولات الجارية على الساحة الدولية التي تعيش أزمات متعددة من أوكرانيا إلى غزة والبحر الأحمر وتايوان، وهو ما جعل القوى الكبرى تميل إلى إغلاق الملفات الإقليمية الثانوية التي يمكن أن تُستثمر كأوراق توترإضافية جعلت قضية الصحراء تُقرأ في إطار جديد ليس كصراع على تقرير المصير، بل كملف مرتبط باستقرار شمال إفريقيا والمحيط الأطلسي.كما أن التقارب المغربي–الإسباني والمغربي–الأمريكي ساهم في ترسيخ قناعة بأن الحل الواقعي الوحيد القابل للحياة هو الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية . إن صيغة القرار الأممي الأخير تدل على أن مجلس الأمن لم يَعُد يدعو إلى “مفاوضات مفتوحة”، بل إلى مفاوضات “على أساس المقترح المغربي . وهذه اللغة الدقيقة تُترجم إرادة أممية في رسم الإطار المرجعي للحل دون ترك الباب مفتوحًا أمام مقترحات أخرى.بمعنى آخر، لم يعد المجتمع الدولي مستعدًا لتحمل ترف الانتظار أو الدوران في حلقة مفرغة، بل اختار السير نحو تسوية مفروضة بالواقعية، توازن بين الاعتراف بالسيادة المغربية وضمان الحقوق المحلية للساكنة.

أما بالنسبة للجزائر فهي اليوم أمام مفترق طريق سياسي ودبلوماسي حاسم بعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير الذي أعاد التأكيد على دور الجزائر كطرف رئيسي في النزاع وليس مجرد بلد جار كما كانت تدّعي . و تأسيسا على ذلك , يمكن القول إن المسار الحكيم الذي يخدم مصلحة الجزائر والمنطقة ككل هو أن تُغَلّب منطق العقل السياسي على منطق الخصومة التاريخية، وأن تتفاعل إيجابياً مع الدعوة المتكررة من ملك المغرب إلى حوار مباشر وصادق، من أجل:

طيّ صفحة الصراع العقيم الذي استنزف طاقات البلدين دون فائدة تذكر.
إحياء مشروع الاتحاد المغاربي الذي بات ضرورة اقتصادية وأمنية في عالم تتكتل فيه الأمم.
إعادة التوازن للمنطقة أمام المتغيرات الدولية والإقليمية الكبرى (تحولات الساحل، النفوذ الروسي، التنافس الأمريكي–الصيني).
تحسين صورة الجزائر دبلوماسياً عبر تبنّي خيار الحلول السلمية الواقعية بدل التصعيد الإعلامي والمواقف الجامدة.
ناهيك على أنالظرف الدولي الراهن لا يسمح بالمزيد من الصراعات الإقليمية، خاصة في ظل انشغال القوى الكبرى بأزمات أوكرانيا، الشرق الأوسط، والبحر الأحمر، ما يجعل المجتمع الدولي متجهاً نحو إنهاء النزاعات المجمّدة بأي ثمن سياسي معقول.وبالتالي، فإن الانفتاح الجزائري على مقاربة الحوار الصادق مع المغرب سيكون ليس فقط خطوة شجاعة، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة واسترجاع روح الأخوة المغاربية التي غيّبتها حسابات ضيقة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here