مغاربة العالم.. رهان اقتصادي حقيقي أم موازنات طموحة؟

0
46

في خضم تحولات الاقتصاد المغربي المعاصرة، تتجه مؤسسات الدولة بخطى ثابتة نحو تعبئة مغاربة العالم كمحرك اقتصادي محوري، في محاولة لردم فجوة النمو وتحقيق زخم تنموي مستدام. هذا الرهان، الذي يتحول في الخطاب الرسمي إلى استراتيجية وطنية لإعادة إحياء الاقتصاد، ليس جديدًا تمامًا، لكنه يتخذ في السنوات الأخيرة أبعادًا أكثر وضوحًا وتدخلًا في السياسات العمومية.

تشير أرقام مكتب الصرف إلى أن تحويلات مغاربة العالم بلغت رقمًا قياسيًا جديدًا في 2024 بقيمة نحو 119 مليار درهم (ما يعادل حوالي 12.8 مليار دولار)، بزيادة ملحوظة مقارنة بالسنوات الماضية، مما يعكس ثباتًا في حجم الدعم المالي الذي يقدّمه أفراد الجالية لذويهم داخل المغرب وللاقتصاد الوطني بأشكاله المختلفة.

أبعاد اقتصادية حقيقية.. والتحويلات ليست كل الصورة

من منظور اقتصادي بحت، تُعدّ تحويلات أفراد الجالية رافدًا مساهمًا بشكل مباشر في تدفق السيولة، دعم الاستهلاك، وتعزيز الطلب المحلي. في بعض السنوات وصلت هذه الحوالات إلى ما يعادل نحو 8٪ من الناتج الداخلي الخام، وهو رقم يشير لمدى اعتماد الاقتصاد المغربي على هذه الموارد في تمويل الاحتياجات الأساسية للأسر وفي دعم القطاعات الاقتصادية المختلفة.

لكن تحليل الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على مجرد الأرقام. فهناك تشابك بين هذه التحويلات والسياسات المالية والمصرفية؛ فالاستفادة المثلى منها مرتبطة بإطار مؤسساتي فعال يسهّل تحويل الأموال، ويشجّع على ضخها في مشاريع إنتاجية طويلة الأمد، وليس فقط في سلع وخدمات استهلاكية.

كما أن هناك إشارات فعلية لعودة شريحة من مغاربة الخارج إلى أرض الوطن، لا فقط كمرسلين للأموال، بل كمستثمرين ورجال أعمال، وهو مؤشر على أن التوازنات الاقتصادية بدأت تتجه نحو استقطاب الكفاءات ورأس المال المهاجر، رغم التحديات التي لا تزال تُعيق هذه الركيزة التنموية.

الدوافع الرسمية والرؤية الاستراتيجية

يبرز في الخطاب الحكومي أكثر من دافع يبرر هذا الرهان:

  1. تعزيز النمو الاقتصادي العام عبر تعبئة موارد مالية مستقرة.

  2. الاستفادة من الخبرات والكفاءات التي اكتسبها مغاربة الخارج في مجالات التكنولوجيا والابتكار والأعمال.

  3. ربط الجالية بالمشروع الوطني الكبير، ليس كمورد مالي فحسب، بل كمصدر أفكار وبناء شبكات تعاون دولية.

إحدى المبادرات التي تؤكد هذا التوجّه هو إطلاق أسبوع الاستثمار الخاص بمغاربة العالم، الذي يهدف إلى فتح قنوات تواصل بين المستثمرين المغاربة المقيمين في الخارج وفرص الاستثمار المتاحة داخل المغرب، مع دعم إداري وتشريعي لتسهيل الإجراءات.

ظاهرة ذات وجهين: دعم اقتصادي أم هروب من عقلنة السياسات؟

رغم أن الأرقام تعطينا جانبًا من الإيجابية، فإن الواقع أعمق وأعقد. تدفق التحويلات لا يعني بالضرورة أنها تُستثمر في قطاعات إنتاجية استراتيجية؛ الكثير منها يذهب لتغطية النفقات الاستهلاكية أو لمواجهة أعباء الأسرة اليومية. هنا يظهر الجانب المظلَل في الصورة: التحويلات تعالج أعراضًا وليس جوهر تحوّل اقتصادي حقيقي يعتمد على الإنتاج والاستثمار المستدام.

وبالتالي، فإن رهان الدولة على مغاربة العالم لا يمكن أن يتحقق بفاعلية ما لم تترافق هذه التحويلات مع سياسات تشجع الاستثمار المنتج، تضمن بيئة أعمال محفزة، وتعمل على جذب الكفاءات لخلق فرص عمل محلية. فبدون ذلك، يبقى النمو مستهلكًا لثروات خارجية، غير قادر على تقوية الأساس الاقتصادي الوطني على المدى الطويل.

بين الأرقام الرسمية والنقد المجتمعي

في أجواء هذه الرؤية الاقتصادية، تظهر أصوات نقدية ترى أن تركيز الدولة على جلب الموارد من الخارج لا ينبغي أن يحجب ضرورة إصلاح السياسات الداخلية. ففي الوقت الذي تُحتفى فيه بالتحويلات والفرص الاستثمارية القادمة من الخارج، هناك ملفّات داخلية حقيقية تتطلب معالجة عاجلة، مثل بطالة الشباب، تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، والحدّ من الفوارق المجالية بين المدن الكبرى والمناطق المتخلفة، والتي بقيت تشكل مخاطر اجتماعية إذا لم تُعالج بجدّية.

خاتمة.. رهانات مفتوحة على المستقبل

إن رهان المغرب على مغاربة العالم في إنعاش الاقتصاد الوطني يعكس فهمًا واقعيًا لحجم الدور الذي يمكن أن تلعبه الجالية المغربية في دعم الاقتصاد، لكنه في الوقت ذاته يبرز تحديات بنيوية أعمق. التحويلات والاستثمارات القادمة من الخارج تُعدّ رافدًا مهمًا، لكن التحول الحقيقي يتطلّب إطارًا تنمويًا متكاملاً يربط بين الطاقات المحلية والعالمية، ويحوّل هذه الطاقات إلى بنية إنتاجية تنافسية.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لمغاربة العالم أن يصبحوا شريكًا فاعلًا في التنمية المنشودة، أم سيظل دورهم مقتصرًا على دعم مالي دون تحول هيكلي؟ وهو سؤال مفتوح في ذهن كل اقتصادي وصحافي ومواطن مهتم بمستقبل الاقتصاد المغربي.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here