در ب «لوبيلا».. انهيار عمارة يحفر صداه في حي بوركون

0
72

في ظهيرة يوم 23 ماي 2024، دوّى صوت الانهيار في درب «لوبيلا» بحي بوركون في قلب مدينة الدار البيضاء، معلناً سقوط عمارة سكنية قديمة بشكل مفاجئ وسط حالة من الذهول والارتباك. لم يكن الأمر مجرد حادث عرضي، بل لحظة صادمة أعادت إلى الواجهة سؤال البنايات الآيلة للسقوط في العاصمة الاقتصادية، وسؤال المسؤولية بين الفرد والمؤسسة، وبين الحاجة الاجتماعية وضوابط السلامة العمرانية.

المعطيات الأولية تحدثت عن أشغال إصلاح غير مرخصة بالطابق الأرضي، تسببت في إضعاف الدعائم الأساسية للبناية. غير أن الاقتصار على هذا السبب التقني قد يُخفي خلفه سياقاً أوسع وأكثر تعقيداً. فالعمارة المنهارة لم تكن استثناءً معزولاً، بل جزءاً من نسيج عمراني قديم يعاني منذ سنوات من التآكل البنيوي، ومن غياب برامج تأهيل شاملة تواكب التحولات الديمغرافية والضغط السكني.

حي بوركون، الذي نشأ في سياق تمدد عمراني عرفته الدار البيضاء خلال منتصف القرن العشرين، تحول تدريجياً من فضاء سكني منظم إلى منطقة تعرف كثافة عالية وتنوعاً اجتماعياً كبيراً، في مقابل ضعف في الصيانة وغياب تدخلات استباقية كافية. تشققات الجدران وتآكل الأسقف لم تعد مجرد تفاصيل معمارية، بل مؤشرات خطر تتكرر في عدد من الأزقة، خصوصاً في الأحياء التي لم تخضع لإعادة هيكلة جذرية.

السلطات كانت قد أخلت البناية قبيل الانهيار بساعات، وهو ما حال دون تسجيل خسائر بشرية، غير أن هذا المعطى لا يلغي حجم الخسارة الرمزية والمادية التي تكبدها السكان. ففقدان المأوى، ولو مؤقتاً، يضع الأسر أمام هشاشة مضاعفة: هشاشة اقتصادية، وهشاشة قانونية تتعلق بالتعويضات وإعادة الإيواء، وهشاشة نفسية مرتبطة بفقدان الإحساس بالأمان داخل الفضاء المنزلي.

الواقعة تعيد إلى الأذهان حوادث مشابهة شهدتها مدن مغربية أخرى، أبرزها ما وقع في فاس خلال دجنبر 2025 حين انهارت بنايات سكنية مخلفة ضحايا، ما أثار نقاشاً وطنياً حول جودة البناء وصرامة المراقبة. آنذاك، دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى تسريع التدخلات لحماية الحق في السكن اللائق وضمان شروط السلامة، في إشارة واضحة إلى أن المسألة لم تعد تقنية فقط، بل حقوقية أيضاً.

بين الظاهر والمضمر، يبدو أن انهيار «لوبيلا» يكشف خللاً مركباً: أفراد يلجأون إلى إصلاحات عشوائية بسبب ضيق الإمكانات، ملاك قد يترددون في الاستثمار في الترميم المكلف، وإدارات تجد نفسها أمام آلاف الملفات المرتبطة بالبنايات المهددة. في هذا التداخل، تضيع أحياناً حدود المسؤولية، ويتحول الخطر إلى واقع يومي مؤجل الانفجار.

الدار البيضاء، باعتبارها قاطرة اقتصادية للمغرب، مطالبة اليوم بإعادة التفكير في نموذج تدبيرها العمراني، ليس فقط عبر مشاريع كبرى وبنايات حديثة، بل من خلال سياسة دقيقة لإعادة تأهيل الأحياء القديمة، تقوم على إحصاء دقيق للبنايات الهشة، وآليات تمويل مرنة للترميم، ومراقبة صارمة للأشغال غير المرخصة. فالرهان لم يعد جمالياً أو استثمارياً فقط، بل إنسانياً في جوهره.

انهيار عمارة درب «لوبيلا» لا يجب أن يُقرأ كخبر عابر في سجل الحوادث المحلية، بل كجرس إنذار حضري. إنه يطرح سؤالاً عميقاً حول معنى التنمية في مدينة تتسارع فيها وتيرة البناء الحديث، بينما تتآكل في صمت بنايات تحتضن ذاكرة أجيال. بين حق السكان في البقاء وواجب الدولة في الحماية، تتشكل معادلة دقيقة تحتاج إلى شجاعة في القرار واستباق في التخطيط، قبل أن يتحول كل تصدع صغير إلى مأساة جديدة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here