مضامين الإتفاق الإجتماعي الجديد جولة أبريل 2024 من الحوار الإجتماعي.

0
66

في نهاية أبريل 2024، دخل الحوار الاجتماعي في المغرب منعطفاً جديداً تمثل في جولة أبريل من الحوار الاجتماعي المركزي التي انعقدت في العاصمة الرباط، وجمعت بين عزيز أخنوش ممثلي الحكومة وأكبر المركزيات النقابية، إضافة إلى أرباب العمل وغيرهم من الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، في محاولة للإجابة عن أسئلة اقتصادية واجتماعية جوهرية تتجاوز مجرد التفاوض المعتاد حول الأجور وظروف العمل.

بدت هذه الجولة، التي انطلقت في 22 أبريل 2025 بفعل دعوة رسمية من الحكومة، كمرحلة تقييم ومراجعة للالتزامات المبرمة في اتفاقات سابقة، وخاصة اتفاقات أبريل 2022 و29 أبريل من السنة الماضية، من جهة، وتنطلق في طرح ملفات جديدة للحسم فيها مستقبلاً، من جهة أخرى.

في جو عام توصفه السلطات بـ«المثمر»، ركزت المناقشات على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من قبل بشأن تحسين الدخل والقدرة الشرائية في القطاعين العام والخاص، وخصوصاً الزيادة العامة في الأجور، التي منحت في القطاع العام بزيادات صافية بلغت 1000 درهم موزعة على مراحل، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص ورفع هوامش الضمان الاجتماعي، في محاولة لتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية لملايين العمال.

لكن قراءة أعمق لمجريات هذه الجولة تكشف أن ما حدث كان أكثر من مجرد تنفيذ التزامات تقنية. ففي العمق، يطرح الاتفاق الاجتماعي الجديد إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشغيلة من خلال الحوار كمبدأ استراتيجي، لا كخيار ظرفي في لحظة أزمة؛ فالثقة المتبادلة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين تُستمد من توجيهات توصف بالسامية، ومسعى لتحقيق التوازن المجتمعي عبر التفاوض وليس التوتر.

ذلك يتجلى في النقاشات التي شملت بنوداً حاسمة مثل إصلاح أنظمة التقاعد، حيث اتفق الأطراف على تشكيل لجنة وطنية لوضع تصور توافقي، وهو ما يعكس رغبة في الانتقال من التعامل الجزئي مع الملفات الاجتماعية إلى مقاربات أكثر شمولاً واستدامة.

في الوقت نفسه، عبّر بعض المركزيات النقابية عن مطالب إضافية ركزت على تنويع آليات تحسين الدخل، ليس فقط عبر الزيادات في الأجور، بل عبر توسيع الحماية الاجتماعية، ولا سيما للمتقاعدين والعاملين في القطاعات غير المنظمة، في إشارة إلى استمرار التحديات التي تواجه الشغيلة رغم المكاسب المحققة.

إذا نظرنا بعين التحليل إلى ما وراء المشهد الرسمي، نجد أن الاتفاق الاجتماعي الجديد لا يقتصر على جولة تفاوضية عابرة، بل يتشكل كجزء من سردية أوسع حول الدولة الاجتماعية في المغرب، التي تواجه اليوم اختباراً مضاعفاً: كيف يمكن لها أن توفّق بين المتطلبات الاقتصادية في سياق عالمي غير مستقر من جهة، وبين ضمان الاستقرار الاجتماعي والقدرة الشرائية للمواطنين من جهة أخرى؟ ذلك السؤال لا يزال مطروحاً، وربما سيبقى محور نقاشات قادمة في جولات الحوار الاجتماعي المقبلة.

في النهاية، قد تكون جولة أبريل محطة في مسار طويل، لكنها تشكل دليلاً على نضج آليات التفاوض الاجتماعي في المغرب؛ آليات بدأت تكسر الجمود التقليدي بين الدولة والنقابات وأرباب العمل، وتنتقل نحو صياغة أجندة اجتماعية توافقية تستجيب لتطلعات المواطنين وتعيد تموضع دور الدولة كمحور توازن بين مصالح الفئات الاجتماعية المتنوعة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here