“حسن مزوزي . محامي بهيئة القنيطرة”
في خطوة دبلوماسية جديدة أكدت الاتجاه العام الذي يسير فيه المجتمع الدولي بشأن قضية الصحراء المغربية، اعتمد مجلس الأمن الدولي في أواخر أكتوبر 2025 قرارًا جديدًا جدد من خلاله ولاية بعثة الأمم المتحدة المينورسو لمدة سنة إضافية، مع تثمين الجهود المغربية الرامية إلى إيجاد حل سياسي واقعي ودائم لهذا النزاع الإقليمي المفتعل.
القرار، الذي صوّتت لصالحه 11 دولة وامتنعت 3 دول عن التصويت بينما لم تشارك الجزائر، أعاد التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 هي الإطار الجاد والعملي لتسوية النزاع، بعيدًا عن الشعارات المتجاوزة والمقاربات الانفصالية غير الواقعية .
أبرز ما ميّز هذا القرار هو استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في لعب دور ما يُعرف داخل مجلس الأمن بـحامل القلم Penholder أي الدولة التي تتولى صياغة مشروع القرار المتعلق بملف معين وتدير النقاش حوله قبل التصويت عليه.
هذا الدور الأمريكي في قضية الصحراء ليس إجراءً شكليًا، بل يحمل رمزية سياسية واضحة , إذ يعني أن واشنطن هي المهندس الفعلي للغة القرار واتجاهه العام، وأنها لا تزال تعتبر المقترح المغربي الأساس الواقعي لأي حل محتمل تحت إشراف الأمم المتحدة.
منذ إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب في دجنبر 2020 اعتراف بلاده بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، لم تتراجع الإدارات الأمريكية اللاحقة عن هذا الموقف , بل استمرّ دعمها عبر تبنّي مقاربة تقوم على الواقعية والتوافق، وهو ما تجلى بوضوح في القرارات الأممية المتتالية التي حافظت على اللغة نفسها و المتمثلة في الإشادة بـالجهود الجادة وذات المصداقية للمغرب واعتبار الحكم الذاتي خيارًا ذا مصداقية لحل النزاع. ذلك أن تولي أمريكا لصياغة القرار يمنحها قدرة كبيرة على تحديد مفردات النص وموازنة المصالح داخل المجلس، بحيث لا يُسمح بإدخال تعديلات تُضعف هذا التوجه. وهو ما جعل روسيا والصين رغم تحفظاتهما , تكتفيان بالامتناع عن التصويت دون استعمال حق النقض (الفيتو)، مما يعكس تفوق الرؤية الأمريكية والمغربية داخل المجلس.
أما الجزائر فقد اختارت عدم المشاركة في التصويت بعد أن وجدت نفسها معزولة دبلوماسيًا حينما عجزت عن التأثير في لغة القرار أو مضمونه لأن استمرار أمريكا في حمل القلم يعني ضمنيًا أن الخطاب الجزائري القائم على أطروحة “تقرير المصير” بصيغته الانفصالية لن يجد له صدى دوليًا مؤثرًا. كما أن المغرب، من خلال حضوره الإقليمي وشراكاته الاستراتيجية مع واشنطن والعواصم الأوروبية، تمكن من ترسيخ قضيته في صلب أولويات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالإرهاب والهجرة وعدم الاستقرار في الساحل. كما أن القرار من الناحية السياسية و الاستراتيجية يعيد تأكيد الطابع الأممي للنزاع، مع تفضيل الحل السياسي على أي خيار عسكري من جهة و من جهة ثانية يثبت التحول في ميزان القوى داخل مجلس الأمن لصالح المقاربة المغربية فضلا عن أنه يكرس المكانة الدبلوماسية للمغرب كشريك موثوق في استقرار المنطقة المغاربية والإفريقية.
إن استمرار الولايات المتحدة في الإمساك بـالقلم داخل مجلس الأمن في ملف الصحراء ليس تفصيلًا بروتوكوليًا ، بل هو ترجمة عملية لتحول استراتيجي في موازين التأثير داخل الهيئة الأممية فمن يمسك بالقلم يحدد النص، ومن يحدد النص يوجّه القرار. واليوم، يبدو أن القلم الأمريكي يكتب بلغة الواقعية والتوافق، وهي اللغة التي طالما تبناها المغرب في سعيه إلى حل دائم يضمن الاستقرار والتنمية في أقاليمه الجنوبية.


