مع صدور القرار الأخير لمجلس الأمن حول الصحراء المغربية، عاد إلى الواجهة النقاش حول كيفية الجمع بين مبدأ تقرير المصير والحكم الذاتي داخل السيادة المغربية , ورغم ما يبدو من تباعد ظاهري بين المفهومين، فإن القراءة المتأنية للنصوص الأممية وللمقترح المغربي لسنة 2007 تكشف عن انسجام عميق بينهما.
فإذا كان مفهوم تقرير المصير كمبدأ من مبادئ القانون الدولي يقضي بأن الشعوب تختار بحرية شكل نظامها السياسي ومصيرها بأشكال متعددة غير الاستقلال التام كالاندماج في دولة قائمة أو الحكم الذاتي داخل دولة ذات سيادة . و هي نماذج بدأت الأمم المتحدة منذ التسعينيات باعتمادها كشكل مبتكر لتقرير المصير،. فإن الحكم الذاتي في إطار سيادة دولة و هو المقترح المغربي لسنة 2007 , يعني تقرير المصير الداخلي (Internal Self-Determination) بمعنى أن سكان الأقاليم الجنوبية سيُديرون شؤونهم المحلية بحرية، عبر برلمان وحكومة جهوية، مع بقاء السيادة برموزها المعروفة بيد الدولة المغربية, العلم ,الدفاع , العلاقات الخارجية . أي أنه تجسيد لتقرير المصير في إطار الوحدة والسيادة الوطنية .
و الملاحظ أن مجلس الأمن استخدم لغة دقيقة جدًا في قراراته الأخيرة ومنها القرار رقم 2703 لسنة 2024 الذي نص على أن : ” يشجع الأطراف على التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم يقوم على التوافق وتقرير المصير في إطار ترتيبات تتماشى مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.” هذه الصياغة تعني أن المجلس لم يعد يتحدث عن الاستفتاء كخيار وحيد، بل يربط تقرير المصير بمفهوم الواقعية والتوافق، وهما العنصران اللذان يتمثلان عمليًا في المقترح المغربي للحكم الذاتي. فالنتيجة المنطقية والسياسية لهذا التوصيف هو الجمع بين المفهومين – الحكم الذاتي و تقرير المصير – و هو تجسيد لتقرير المصير الواقعي داخل السيادة المغربية، وليس نقيضًا له أي أن في منظور الأمم المتحدة , يمنح المغرب للأقاليم الجنوبية قدرة على تقرير مصيرها الذاتي ضمن الوطن الأم دون المساس بالوحدة الترابية.
لقد تجاوز مجلس الأمن منذ سنوات فكرة الاستفتاء التقليدي التي كانت ترتبط بمفهوم تقرير المصير في حالات إنهاء الاستعمار، ليتبنى مقاربة جديدة تقوم على الواقعية والتوافق اعتمدتها العديد من التجارب من قبيل نظام الحكم الذاتي في جزر الآزور والكناري داخل السيادة البرتغالية والإسبانية، ونموذج غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، والحكم الذاتي في إقليم كيبك بكندا. كلها تجارب برهنت على أن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية يتحققان حينما يُمنح السكان حقهم في تقرير مصيرهم داخل الدولة، لا خارجها.
و سيرا على المنوال المذكور, أصبح الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب يمثل الصيغة العصرية لتقرير المصير الداخلي، حيث يمكّن سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم بأنفسهم، في إطار مؤسسات جهوية منتخبة، مع احتفاظ الدولة المغربية باختصاصاتها السيادية المذكورة .و هو ما تعكسه قرارات مجلس الأمن الأخيرة لا سيما القرار رقم 2703 (2024)، , إذ تدعو الأطراف إلى حل سياسي واقعي ودائم يقوم على التوافق وتقرير المصير في إطار مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وهذه الصيغة توحي بوضوح بأن تقرير المصير لم يعد يعني الانفصال، بل يمكن أن يتحقق داخل دولة موحدة ذات سيادة، كما هو الحال في مقترح الحكم الذاتي المغربي الذي منح لمبدأ تقرير المصير بعدًا ديمقراطيًا متوازنًا يحقق المشاركة والكرامة والتنمية , دون المساس بالوحدة الترابية للمملكة, فهو بحق يجمع بين الشرعية الدولية والواقعية السياسية، ويضع الأساس لنهاية نزاع طال أمده، في إطار رؤية مغربية مسؤولة ومنفتحة على الحوار.
و بات في المقابل، من الضروري على الجزائر أن تقرأ هذا التحول بواقعية جديدة، وأن تتخلى عن المقاربة الانفصالية التي تجاوزها الزمن، فتستثمر في دعوة المغرب إلى الحوار والتعاون المغاربي كخيار إستراتيجي يعيد للمنطقة أحلامها ووحدتها . فاليوم , تقرير المصير لا يعني الانقسام، بل يعني الاختيار الحر داخل السيادة ، وهي الصيغة التي يمنحها المغرب بوضوح من خلال مبادرته للحكم الذاتي و من خلال اليد الممدودة للعاهل المغربي إلى الجزائر لمناشدتها على الجلوس على طاولة المفاوضات قصد إحياء مغرب عربي كبير تجمعه وحدة الآمال و المصالح المتبادلة وفي عالم لم يعد فيه مكان إلا للتكتلات الكبرى .
“حسن مزوزي” محامي بهيئة القنيطرة