شكّلت أشغال المائدة المستديرة التي ناقشت موضوع “التضامن والتشهير بين الصحافيين” محطة تأمل جماعي في واقع الممارسة الإعلامية اليوم، حيث تتقاطع حرية التعبير مع أخلاقيات المهنة، ويتداخل الدفاع عن الزملاء مع مخاطر الانزلاق نحو الاستقطاب أو التشهير المتبادل. هذا النقاش لا يأتي من فراغ، بل يعكس تحولات عميقة في البيئة الإعلامية، خاصة مع صعود المنصات الرقمية التي أعادت تشكيل قواعد اللعبة داخل الحقل الصحافي.
في جوهر الطرح، يبدو أن المائدة المستديرة لم تكتفِ بتشخيص الظاهرة، بل حاولت تفكيك المفهومين المتلازمين: التضامن كقيمة مهنية وأخلاقية تحمي الصحافيين في مواجهة الضغوط أو الاستهداف، والتشهير كسلوك سلبي قد يتحول إلى أداة تصفية حسابات أو وسيلة ضغط غير مهنية حين يُمارس خارج إطار النقد المشروع. ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية: كيف يمكن التمييز بين التضامن الواعي القائم على الدفاع عن حرية الصحافة، وبين الانحياز غير الموضوعي الذي قد يبرر الأخطاء أو يتجاهل التجاوزات؟
على مستوى الظاهر، يُقدَّم التضامن الصحافي باعتباره صمام أمان لحماية المهنة من التضييق أو الاستهداف القانوني أو الاجتماعي. فالصحافيون، بحكم طبيعة عملهم، يواجهون تحديات متعددة تتراوح بين المتابعات القضائية والانتقادات الحادة وصولاً إلى الحملات الرقمية التي قد تستهدف سمعتهم أو مصداقيتهم. لذلك يصبح التضامن هنا رد فعل طبيعيًا يعكس إدراكًا جماعيًا بأن المساس بفرد داخل الجسم المهني قد يفتح الباب أمام مساس أوسع بحرية التعبير.
غير أن البعد المضمَر في النقاش يكشف جانبًا آخر أكثر تعقيدًا. فبعض أشكال التضامن قد تتحول إلى اصطفاف غير نقدي، حيث يُغضّ الطرف عن أخطاء مهنية واضحة بدعوى حماية الزميل أو الدفاع عن “البيت الداخلي”. هذا المنطق، وإن كان مفهومًا في سياق العلاقات الإنسانية، قد يخلق فجوة بين خطاب الدفاع عن المهنة وبين تطبيق معاييرها الأخلاقية. وهنا يتداخل التضامن مع خطر التواطؤ الصامت حين يغيب التقييم الموضوعي.
في المقابل، مسألة التشهير بين الصحافيين تمثل تحديًا أخلاقيًا لا يقل خطورة. فحين يتحول النقد إلى حملات شخصية تستهدف السمعة أو النوايا بدل مناقشة المحتوى المهني، فإن ذلك يضعف الثقة داخل الوسط الإعلامي ويؤثر على صورة المهنة أمام الجمهور. التشهير لا يقتصر على الاتهامات المباشرة، بل قد يتخذ أشكالًا أكثر خفاءً عبر التلميح أو التسريب الانتقائي للمعلومات أو استخدام المنابر الرقمية لتصفية حسابات مهنية.
من زاوية تحليل أعمق، يمكن قراءة هذا النقاش كعلامة على مرحلة انتقالية يعيشها المشهد الإعلامي. فانتشار الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي أتاح لكل صحافي منصة للتعبير والتفاعل، لكنه في الوقت ذاته أضعف أحيانًا الضوابط التقليدية التي كانت تنظّم النقاش داخل المؤسسات الصحافية. نتيجة لذلك، أصبح الخط الفاصل بين النقد المهني والتشهير الشخصي أكثر هشاشة، ما يستدعي إعادة تأطير القواعد التنظيمية والأخلاقية التي تحكم العلاقة بين الصحافيين أنفسهم.
كما أن المائدة المستديرة تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية بناء آليات داخلية للوساطة وحل النزاعات المهنية بعيدًا عن التصعيد الإعلامي. فبدلاً من انتقال الخلافات إلى العلن بشكل يُستثمر ضد الجسم الصحافي ككل، يمكن اعتماد مسارات مؤسساتية قائمة على التحكيم المهني، ومواثيق السلوك، ولجان الأخلاقيات التي تعالج الإشكالات ضمن إطار منظم.
في المحصلة، يبرز هذا النقاش كدعوة لإعادة تعريف مفهوم التضامن داخل الوسط الصحافي بما يجعله قائمًا على مبادئ واضحة: التضامن مع حرية المهنة ومع الصحافي حين يتعرض لاعتداء غير عادل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق النقد المحترم والمساءلة المهنية. أما التشهير، فيجب أن يُفهم كخطر يهدد ليس فقط الأفراد، بل سمعة المهنة ومصداقيتها في نظر المجتمع.
وهكذا، فإن معالجة العلاقة بين التضامن والتشهير لا تتطلب شعارات عامة، بل رؤية عملية توازن بين حماية الحريات وترسيخ الأخلاقيات، بما يعزز وحدة الجسم الصحافي دون أن يحوّل الوحدة إلى غطاء للخطأ أو السكوت عن التجاوزات.


