النقابة الوطنية للصحافة المغربية تدعو إلى القطيعة مع الممارسات التي تزعزع استقرار مهنة الصحافة

0
34

في خضم التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي المغربي، أطلقت النقابة الوطنية للصحافة المغربية صرخة تنظيمية حاسمة تدعو إلى القطيعة مع الممارسات التي تزعزع استقرار مهنة الصحافة وتقوّض أسسها المهنية والقانونية، في موقف يعكس عمق التوتر بين أصوات المهنة ومؤسسات إدارة قطاع الإعلام. هذه الدعوة، التي صدرت في بيان رسمي للنقابة برئاسة عبد الكبير خشيشن، جاءت كرد فعل على ما تُعدّه النقابة “ممارسات تعسفية” في منح البطاقة المهنية للصحافيين وآليات تنظيم الولوج للمهنة التي تم الإعلان عنها مؤخرًا من قبل اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر”.

أولى فقرات البيان تكشف عن قلق عميق تجاه ما وصفته النقابة بـ “النظام الخاص لتنظيم الولوج إلى المهنة” الذي أثار موجة من الجدل بين المهنيين، وأضحى موضوع شكايات متكررة تتلقاها النقابة يوميًا. ويبدو أن ما يثير النقابة ليس فقط الشروط نفسها، بل طريقة تطبيقها التي تخالف ما ورد في المرسوم المنظم لسنة 2019، الذي يعتبر الإطار القانوني الوحيد المنظم لمنح البطاقة المهنية للصحافة. النقابة طالبت بـ السحب الفوري لهذا النظام الخاص، واعتباره بلا سند قانوني، في إشارة إلى أن أي إجراءات لا تستند إلى الأطر المُحددة دستوريًا وقانونيًا “تهدد استقرار المهنة وتفتح الباب أمام التعسف الإداري”.

من هنا، يتحول الخطاب النقابي من مجرد تنديد شكلي إلى مطالبة واضحة بالشفافية واحترام القانون. النقابة لم تكتفِ بانتقاد النظام الخاص، بل رسمت خارطة مطالب عملية تشمل تسهيل الإجراءات الإدارية للحصول على البطاقة المهنية، تطوير المنصة الإلكترونية، ونشر شروط واضحة للطلبات والرفض والتجديد في آجال محددة. هذه المطالب تكشف عن إدراك أن الحديث عن مهنة صحفية مستقرة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إجراءات مُحدّدة وواضحة تُبعد العشوائية والتمييز المحتمل.

لكن الثيمات المضمرة في هذا الخطاب تتجاوز مجرد تفاصيل البطاقة المهنية؛ فهي تحكي صراعًا أوسع حول تنظيم المهنة ووضعها القانوني في سياق تغيّر المؤسسات الإعلامية. إن ما طرحته النقابة هو أيضًا رفض لأي ممارسات قد ترجّح كفة النفوذ أو المصالح الضيقة على حساب جوهر ممارسة الصحافة، وهو ما يتقاطع مع قضايا أخرى طرحها القطاع مؤخرًا حول ضرورة إخراج مشاريع قوانين الصحافة والنشر والمجلس الوطني للصحافة من طور الانتظار المؤقت إلى التطبيق القانوني الفعلي، بما يتماشى مع مقتضيات الدستور والتزامات حرية التعبير.

وفي هذه المساحة التي تفصل بين الظاهر والمضمون، تكشف دعوة النقابة عن توتر أعمق بين حرصها على استقلالية المهنة وضرورة الانفتاح على إصلاحات تؤمن مظلة قانونية حديثة؛ توتر ينبع من خبرات جمعيات مهنية تعايشت سنوات مع تعقيدات التشريعات الغائمة والانتظار المؤقت للهيئات التنظيمية. هذا التوتر لم يأتِ من فراغ؛ ففي الفضاء الإعلامي نفسه تتكرر مطالب تنظيم ذاتي لهيئات الصحافة، وتتعالى أصوات تطالب بضمان التعددية المهنية والتمثيلية الديمقراطية للصحافيين ضمن النظام القانوني للمهنة، وهو ما يعكس رغبة في تحرير الصحافة من الترتيبات المؤقتة والروتين الإداري الذي يعيق أداءها.

ختامًا، تبدو دعوة النقابة الوطنية للصحافة المغربية إلى القطيعة مع الممارسات المزعزعة للاستقرار المهني أكثر من مجرد موقف تنظيمي؛ إنها تحذير مهني عميق وصوت احتجاج رسمي يُؤكّد على ضرورة مواكبة تحديث التشريعات، تعزيز الاستقلالية، واحترام المسار القانوني للمهنة. في عالم الإعلام المتغير، حيث تتداخل الضغوط القانونية والسياسية والمهنية، تصبح مثل هذه البيانات أداة لتوجيه النقاش المجتمعي حول قيمة الصحافة ودورها في بناء دولة مؤسسات حقيقية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here