مدونة الأسرة بين الاجتهاد الشرعي والجدل الاجتماعي: قراءة في ورشة الإصلاح الكبرى

0
50

منذ أن أعلن صاحب الجلالة الملك محمد السادس عن فتح ورشة مراجعة مدونة الأسرة، والمشهد القانوني والاجتماعي في المغرب يعيش حالة من الجدل الحيّ الذي يعكس صراعاً بين خصوم رؤية واحدة، وتفاهمات تُغازل التوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات العصر. هذا الجدل لم يكن محايداً؛ فقد احتدم في أروقة المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والمنتديات الفكرية، وظلّ يشدّ انتباه الرأي العام، ليس فقط لأنه يمسّ صميم نواة المجتمع – الأسرة – بل لأنه يسائل حدود الاجتهاد في التشريع الإسلامي في زمن الحداثة.

في قلب هذا الجدل، وضع الملك مبدأ جوهرياً: “لن أحلّ ما حرم الله، ولن أحرم ما أحلّ الله.” هذه العبارة لم تكن مجرد شعارٍ بل أصبحت معياراً مرجعياً لضبط عملية التحديث القانوني، وضمان أن أي مراجعة أو تعديل لا يتعارض مع ضوابط الشريعة الإسلامية، ولا يتجاوز ثوابت الهوية الدينية للمغرب.

الملكية والشرعية: الإحالة إلى المجلس العلمي الأعلى

بعد أن قدمت الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة تقريرها الشامل إلى الديوان الملكي، أحال الملك بعض المقترحات التي تثير مسائل دينية على المجلس العلمي الأعلى لإبداء رأي شرعي واضح، وذلك لضمان الالتزام بمقاصد الدين الإسلامي ومبادئه السمحة، قبل إقرار النصوص لاحقاً في البرلمان.

هذا التوجه يؤكد على مدى حساسية المشروع، ليس فقط كقانون ينظّم العلاقات الأسرية، بل كوثيقة ترتبط بمدى انسجام المجتمع المغربي مع دينه وهويته. ولهذا السبب، فقد أُحيطت عملية المراجعة بـ “جلسات استماع” وفتح قنوات للحوار مع المجتمع المدني والأحزاب، في محاولة لتجسيد روح المشاركة والتشاور.

صراع الأفكار: بين الشرعية والرؤى الحديثة

الدعوة لإصلاح مدونة الأسرة لم تُلقَ ترحيباً موحداً. فقد ظهرت فرق متباينة في الرؤى والرهانات:

  • المؤيدون للإصلاح الشرعي المتوازن يرون أن المراجعة فرصة لإصلاح اختلالات التطبيق، وتعزيز حماية الأسرة والمرأة والطفل، مع الاحتكام إلى المرجعية الإسلامية دون تجاوزها. هؤلاء يعتبرون أن الخطاب الملكي أرسى الأساس الصحيح لضبط المسار، وأن أي تجاوز للثوابت سيؤدي إلى مزيد من الاضطراب الاجتماعي.

  • النقاشات السياسية والاجتماعية حملت أيضاً قراءات تختلف من فاعلين سياسيين. بعضهم رأى أن القضية طُبّلت كأداة في سجالات حزبية، بينما رأى آخرون أن هناك ضرورة لإدخال مفاهيم معاصرة أكثر في النص القانوني، مثل تفعيل الولاية المشتركة للوالدين أو التعامل مع مسألة النفقة بأسلوب جديد.

هذه التباينات لم تقتصر فقط على حدود القانون، بل امتدت إلى منظور الهوية ووجهة المجتمع المغربي بين المحافظة على الثوابت الدينية والانفتاح على بعض القضايا التي تتطلب تفكيراً حديثاً.

الأسرة المغربية: بين الهوية والضرورة

الأسرة لا تزال تُعدّ في الدستور المغربي “الخلية الأساسية للمجتمع”. وعليه، فإن أي تعديل في مدونة الأسرة يُنظر إليه ليس كمجرد تعديل قانوني تقني، بل كتعديل يمس جوهر العلاقات الاجتماعية والاجتماعية والثقافية. حتى بعض الأصوات الحقوقية عبرت عن ضرورة أن تكون المراجعة شاملة للواقع الاجتماعي، بما يحفظ كرامة الإنسان ويواكب التحولات، في حين شددت جهات أخرى على “العدم تجاوز الحدود الشرعية”.

في هذا السياق يتضح أن المشروع لا يمكن اختزاله في مصطلحات فقهية أو قانونية فقط؛ بل هو مشروع ثقافي وحضاري يعكس ما يريد المجتمع المغربي أن يكون عليه في المستقبل، كيف يوازن بين احترام دينه، وضرورة الانفتاح على متطلبات العصر.

ختاماً: قراءة في المستقبل القانوني

الورشة التشريعية لـ مدونة الأسرة لم تنتهِ بعد، وما زال المشهد يشهد مشاورات، وآراء متباينة، وتأملات فقهية عميقة. لكن ما يؤكد عليه الجميع، من موقع أو آخر، هو أن هذا العمل لا يمكن أن يكون مجرد إعادة كتابة نصٍ ما، بل هو مشروع تحديثٍ لحياة الأسر المغربية يعكس تطلعاتها إلى عدالةٍ متوازنة، وهويةٍ محافظة على ثوابتها، مع انفتاح على متطلبات العصر بطريقة متدرجة وحذرة.

وفي النهاية، تبقى قاعدة “لا أحلّ حراماً، ولا أحرم حلالاً” مقياساً لا يمكن تجاوزه في قراءة وممارسة أي تعديل، ليس فقط على ورق القانون، بل في حياة المجتمع وتفاعلاته اليومية.

 

 

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here