من وثيقة تقليدية إلى حق جديد: قراءة في منح الأم صلاحية إصدار جواز السفر لأبنائها القاصرين

0
83

في 15 مارس 2024، تحولت خطوة إدارية إلى ساحة قراءة أعمق بشأن الحقوق الأسرية والمساواة بين الجنسين، حين أعلنت وزارة الداخلية المغربية إصدار دورية تسمح للأم باستخراج أو تجديد جوازات سفر أبنائها القاصرين دون الحاجة لموافقة مسبقة من الأب. رغم أن هذه المبادرة قد تبدو في ظاهرها تعديلًا لإجراء إداري بسيط، فإنها في جوهرها تعكس تحولات اجتماعية وقانونية دقيقة في علاقة الأسرة المغربية بالدولة والمجتمع.

التحول في الإجراءات: تبسيط أم ردّ على مطالب اجتماعية؟

حتى وقت قريب، كانت الوثائق الرسمية مثل جواز السفر لفائدة القاصرين مرتبطة بموافقة الأب — باعتباره الولي القانوني للطفل حسب الفهم التقليدي لأحكام مدونة الأسرة في المغرب — وقد شكّل ذلك في كثير من الحالات عقبة حقيقية أمام الأمهات، خاصة في حالات الانفصال أو الطلاق. قرار السماح للأم باصدار الجواز بدون موافقة مسبقة من الأب يقتصر فقط في الحالات التي لا يوجد فيها حكم قضائي يعارض ذلك، ما يعني وجود ضمانات قانونية تحمي من إساءة استعمال هذا الحق.

هذا التطور أثار ردود فعل مختلفة؛ ترحيبًا من جانب منظمات نسائية ترى فيه استجابة لمطالب حقوقية طال انتظارها، وانتقادًا من جهات ترى أن الخطوة بقيت جزئية وليست شاملة في معالجة المساواة القانونية بين الرجل والمرأة في الشؤون الأسرية.

السياسة العامة أم خطوة إصلاح تدريجية؟

في عمق هذا القرار يكمن سؤال أساسي: هل هو تحول إداري فحسب أم بداية لتحولات أكبر في ملامح القانون الأسري؟ في السنوات الأخيرة، كان هناك نقاش واسع حول تعديل مدونة الأسرة في المغرب، وقد تطرقت بعض المسودات المقترحة إلى قضايا مثل الولاية الشرعية المشتركة والصلاحيات المتساوية بين الوالدين. رغم أن هذه التعديلات لم تُقرّ بشكل نهائي بعد، يُنظر إلى قرار منح الأم صلاحية إصدار الجواز كـ تمهيد عملي ومحطة في مسار إصلاحي أوسع.

ما يميّز هذا القرار هو إدماجه في الساحة الدولية أيضًا؛ فقد أعلنت القنصليات المغربية في نيويورك ومدريد نفس القرار، ما يدلّ على حرص الدولة على مواءمة الإجراءات القنصلية مع واقع الحياة الأسرية للمغاربة المقيمين بالخارج.

حقوق الطفل بين الإجراءات والأدوار الأسرية

على مستوى آخر، القرار يمسّ حق الطفل في التنقل والسفر، وهو حق يتصل بالهوية والحياة الاجتماعية والتعليمية للأبناء. حرمان الأم من إمكانية إصدار وثيقة سفر لأبنائها — في سياق انفصال الأب وتغيّبه عن المسؤوليات — كان في كثير من الحالات يعيق فرص الأطفال في الدراسة أو العلاج أو التواصل مع المحيط الدولي. من هذا المنطلق، يرى بعض الحقوقيين أن القرار يمثل تقدّمًا مهمًا في حماية مصالح الطفل، بما يتوافق مع مبادئ حقوق الأسرة التي تقرّ بأن مصلحة القاصر فوق الاعتبارات الإدارية التقليدية.

الصورة الأوسع: من التقليد إلى المساواة القانونية

إذا ما وضعنا هذا القرار في سياق التطورات القانونية الدولية، نجد أن العديد من التشريعات الحديثة بدأت تخفف من قيود نظام الولاية المطلقة للأب في شؤون السفر والهوية عندما يتعلق الأمر بالأطفال القاصرين، خصوصًا في حالات العنف المنزلي أو الانفصال. وتعدّ بعض القرارات القضائية في الخارج — مثل السماح لأحد الوالدين الأساسيين باستصدار جواز سفر دون موافقة الآخر في حالات معينة — مؤشراً على توجه عالمي نحو حماية حقوق الطفل وتقليل العقبات البيروقراطية غير الضرورية.

في المغرب، على الرغم من أن الأب لا يزال يُعدّ الولي القانوني التقليدي، فإن القرار الحكومي الأخير يوحي بأن المرونة الإجرائية يمكن أن تسبق التغييرات القانونية الجوهرية، وأن هناك إرادة لتخفيف الأعباء التي تواجهها الأمهات خصوصًا في بيئات أسرية معقدة.

خاتمة: خطوة تتجاوز الوثائق

في النهاية، ليس القرار مجرد إجراء تقني بل علامة على تغيّر المشهد الاجتماعي والقانوني في المغرب. إنه يتجاوز فكرة المستندات ليطرح مسألة الحقوق والمساواة داخل الأسرة الواحدة وخارجها. كما يعكس ضغط المجتمع المدني، وخصوصًا منظمات الدفاع عن حقوق النساء والأطفال، في أن تتماشى الإجراءات الإدارية مع مبادئ المساواة والحماية القانونية. ورغم أن القرار لا يحسم جميع الإشكالات المتعلقة بالولاية الشرعية، فهو إشارة قوية إلى أن الإصلاح القانوني والاجتماعي بدأ يأخذ منحى ملموسًا نحو مزيد من العدالة في حياة الأسر المغربية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here