آراء الشارع القنيطرة في مشروع مدونة الأحوال الشخصية

0
64

في قنيطرة كما في غيرها من المدن المغربية، أثار مشروع تعديل مدونة الأحوال الشخصية (المدونة التي تُعرف أيضًا بـ «مدونة الأسرة») نقاشًا حِماسيًا في الشارع، بين مؤيّد للتغيير والتحديث، ومتشكك أو معارض يخشى على القيم الأسرية والاجتماعية. هذا الجدل لا ينبغي أن يُقرأ فقط على سطح الكلمات المتداولة، بل باعتباره انعكاسًا لصراع أوسع بين رؤية تقليدية تمسك بها كثيرٌ من المواطنين، ورؤية إصلاحية تسعى إلى مواكبة التحولات الاجتماعية في المغرب اليوم.

منذ إطلاق الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة وتنظيم سلسلة من جلسات الاستماع للمكونات الاجتماعية، أخذت الأسئلة تدور في أروقة المقاهي والأزقة: هل هذه التعديلات تخدم الأسرة أم تهدد هويتها؟ يستند كثير من المعلقين في قنيطرة إلى ما اعتادوا عليه من أحكام مدونة الأسرة السابقة التي تعتبر نصًا اعتباريًا يحافظ على التوازن الاجتماعي، ويربط الالتزامات الزوجية والأسرية بالقيم الدينية والاجتماعية التي يتربّى عليها الناس منذ الصغر. في هذا الإطار، يستشهد طرف من المواطنين بنتائج استطلاع رأي عُمّ على المغرب عموماً أظهر أن أغلبية واسعة ترغب في أن تستند أية تغييرات على المرجعيات الإسلامية لضمان قبول اجتماعي أوسع.

في المقابل، يرى شريحة أخرى من الشارع، وخصوصًا بين النساء والشباب المتعلّم، أن التعديلات المقترحة لا ترقى إلى مستوى الطموحات المجتمعية في تحقيق تكافؤ أكبر بين الجنسين وضمان حقوق الزوجة والأم. هؤلاء يعتبرون أن نسخ القوانين وتقنين العلاقات الأسرية يجب أن يعكس الواقع المعاش، مثل قضايا الحضانة والطلاق والولاية، وأن يقرأ في ضوء التحولات الاجتماعية العميقة التي عرفها المجتمع المغربي منذ صدور آخر مدونة في 2004.

وعلى ضوء المناقشات التي تجري في البرلمان والإعلام، يبدي عدد من المواطنين قلقًا من أنّ بعض المقترحات قد تضيق الخناق على حقوق الرجال أو تُثقل الالتزامات القانونية من دون إعادة تصور عادل وشامل للعلاقات الأسرية، معتبرين أن بعض التعديلات ستؤدي إلى اختلالات جديدة في علاقة الرجل بالأسرة.

في المقاهي والواجهات العامة في قنيطرة، لا يقتصر النقاش على النصوص وحدها، بل يمتد إلى الأبعاد النفسية والثقافية: هل القانون يُغيّر سلوك المجتمع أم أن المجتمع يغيّر القانون؟ يسود اعتقاد وسط الشباب أن القانون وحده لا يكفي ما لم يترافق مع نقاشات توعوية وتثقيفية حول الأسرة والمساواة والمسؤوليات المشتركة، مؤكدين أن تغيّر الذهنية يسبق تغيّر النص. أما الكبار في كثير من الأحيان فيميلون إلى التأكيد على أهمية التمسك بالقيم التقليدية والدينية كمرجعية أساسية، حتى لو تطلب ذلك تبني عدد من التحفظات على مشروع التعديل.

هذا التعدد في الأصوات يعكس بوضوح أن مشروع مدونة الأحوال الشخصية في المغرب لا يثير فقط نقاشًا حول نصوص قانونية، بل يفتح مائدة حوار مجتمعي عميق حول الهوية، والعدالة، والتغيير، وقيمة الأسرة في المغرب الحديث. ما يجمع أغلبية المعلقين في قنيطرة، رغم اختلافهم، هو الاعتراف بأن العائلة هي نواة المجتمع وأن أي تعديل في قوانينها يحتاج إلى توازن دقيق لا يخلّ بالقيم ولا يَغفل التطلعات الحديثة.

 
 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here